﻿غموض رجل 
للكاتبة : ~Fananah~
-------------------------------
تجميع : Topaz.
شبكة روايتي الثقافية 
-----------------------------
(1)

نظرت في المرآة بألم وهي تحاول إخفاء تلك الندبة القبيحة تحت ستره صيفيه فقد أصبح الوضع لا يطاق ، تلك الألسنة المغتابة تجعلها ساخطة ما الأمر معهم فما حدث معها قبل سنوات مضت لا يعنيهم بشيء البتة ، فلما الآن يحاولون إنقاص ثقتها بجمالها ألهذه الدرجة يمقتونها !

هزت رأسها بعزم أبدا ولن يستطيعوا فعلها مهما حاولوا ستُحب نفسها بكل عيوبها و ليتحدثوا بما يشاؤون سأصم أذاني عنهم ، فهذه الندبة هي الشيء الوحيد الذي يربطها بَه ، كررت تلك الجملة مراراً إلى أن سمعت صوت ابنه عمها تناديها للحاق بموعد الاجتماع ، التقطت حقيبتها وهاتفها المحمول وتأكدت من حجابها وخرجت بخفه تاركه أفكارها السلبية خلفها .

ضرب بقبضته طاولة مكتبه هاتفا: ما الذي تقصده بأننا على وشكَ خسارة المناقصة !
تلعثم سكرتيره بالحديث من جراء ردة فعله: إن الشركة المنافسة لنا قدمت عرضا مغريا وقد بدؤا في ضم اتحاد في سبيل كسب تلك المناقصة البريطانية .

تكورت عقدة بين حاجبيه وأغمض عينيه في محاولة لاستعادة هدوئه: إذن وماذا بعد هل وجدوxxxxxxxxxx


؟

هز رأسه وهو يقلب الأوراق التي بين يديه بخفة: لا ، لا يزالون يبحثون ولأن المجازفة كبيرة فقد لا يجدون شريكا مناسبا لم يتبقي سوي أيام قلائل قبل انتهاء المدة لتقديم عقود الدمج.!

تنهد مستندا بجبهته على كفيه يحاول ترتيب أفكاره لا يعقل أن يخسر كل ما حاول بنائه: إذن صفني بالمجازف لأننا سنقوم بعقد شراكة بيننا .

أعترض سكرتيره بلا إدراك: لا يجوز ذلك أن المخاطر عالية ، بالإضافة لن يقبل ذلك العجوز بأن نكون شركاء معه !!

أرخي جسده المتعب على كرسيه الجلدي باسما بسخرية: لا تقلق إن المصالح هي من توحد وقد سبق أن قلت لك أنه الحل الوحيد لربح تلك المناقصة ولا يمكنني خسارتها في هذه اللحظة .

فركَ سكرتيره جبهته بتوتر: إذن هل ترغب مني بتجهيز العقد ؟

أشار نافيا بيده ثم أضاف ببساطة: لا سأقوم أنا بتجهيزه بما أنه بالغ الأهمية مقارنة بباقي الأعمال ، اهتم أنتَ بالبقية لدينا الكثير مما يجب علينا تعويضه .

تنهدت وهي تنظر لساعة معصمها للمرة الثانية هاتفة بابنه عمها: أسرعي لقد تأخرنا لُجين !
توقفت لتلتقط أنفاسها الضائعة لصدرها معترضة: لا أقوى يا هَيا ، دعينا نسترح قليلا لا أكاد 
أشعر بساقاي من السير .
خاطبتها مبتسمة بمرح: ماذا أيتها الرياضية قبل ساعة ونصف كنتِ على أتم الاستعداد لقطع المسافة سيرا والآن تتدللين !

وجهت لجين نظرة ذات مغزي نحو هَيا: إن المكان يبعد نحو الميل والنصف من موقع تعطل السيارة التي كانت تقلنا لذا من حقي المطالبة بفترة راحة !

تنهدت هَيا معلنه الهدنة: حسنا سنرتاح لـ 10 دقائق بعد هذا سنتابع وأنتِ من ستتولين شرح موقفنا لوالدي .

هبت واقفة على قدميها كمن تعرض للدغة هاتفا: لا سأتحمل عناء السير ولكن لن أستطيع تحمل محاضرة عمي الغاضبة ، لنسرع هَيا !

أحكمتا حجابهما وتابعتا السير في محاولة للوصول للشركة قبل موعد الاجتماع الشهري وقلب إحداهما مشغول بشخص غائب طمر الزمن ذكراه .

أجفل عندما سمع صوت هاتفه المرافق لتلك النغمة المعتادة ليتنهد مجيبا عن الاتصال : أهلا والدتي إني بالعمل الآن ، دعيني أعاود الاتصال بكَ .

أتاه صوتها الرخامي هاتفا: شادي ما الذي تفعله أتدرك كم الساعة الآن !

توجه بأنظاره نحو الساعة المعلقة ولم يكد يصدق عينيه لقد قضي الساعتين الماضيتن في محاولة لإنهاء العقد ثم عاد معتذرا: آسف لم أعر للوقت أي انتباه ، سأحضر بعد قليل .

أغلق هاتفه ثم أسرع بخطف سترته وإغلاق حاسوبه النقال بعد حفظه للعمل وفي طريقة للخروج ألقي ببضع أوامر على سكرتيره وتابع طريقه نحو سيارته الفخمة ليقل والدته من المستشفي .

لم يستغرق الكثير من الوقت ليصل للمستشفي وتوجه فورا نحو قاعة الانتظار ليجد والدته تلاعب أحد الصغار وما أن انتهت حتى لاحظت استمتاعه ، نهضت لتُعدل من وضعية ملابسها وحجابها معاتبة: إذن وللمرة المليون تغرق نفسكَ بالعمل متناسيا الحياة !

امسك بكفها وطبع قبله معتذرا: لقد غلبني التفكير كنت مشغولا بكتابة عقد للدمج القادم .
أوقفته والدته برجاء: لقد أخبرتك سابقا يا شادي لا يهمني ما تفعله بشركة المرحوم والدك لأني على أتم الثقة بأنك ستقوم بكل ما هو مناسب لاستمرارها، لذلك لا تلقي باسمها على مسامعي .

تنهد شادي مرافقا والدته نحو السيارة فهو يعلم مقدار الألم الذي يعتريها كلما وقع اسم شركتهم على مسامعها وكيف لا واسم تلك الشركة يصدح بين الناس باسم والده المرحوم سالم السالمي والذي يجعل والدته تحن له ، فقد أنهكها المرض بعد فقدانها لزوجها إلى أن استعادت قوتها بزواجه من إحدى قريبات العائلة ، ولكن ذلك الزواج لم يدم لعدة أسباب أبقاها قيد الكتمان حاضرا فما الداعي لنبش الماضي بينما المستقبل مطل على الأفق.

أخرجه صوت والدته القلق من بين أفكاره: هل أنتَ بخير حقا لما لا تعود للعيش معي يا شادي فلا توجد إمراة في ذلك المنزل للعناية بك!
احتدت عيناه في موجة من الغضب بينما صوته عكَس المتوقع: أنا بخير لا أحتاج لامرأة لتهتم بي كما أني لم أعد صغيرا يا أمي .

تنهدت بأسي وكادت أن تفاتحه بموضوع زواجه مجددا حتى وقعت عيناها عليهما 
وصرخت: توقف !

كان صرير عجلات السيارة عاليا بحيث أجزع من حوله ؛ارتد جسده على الكرسي مزمجرا من بين أسنانه: أماه ما الحاصل كيف تطلبين مني التوقف بهذا الشكل !

نزلت من السيارة ملوحة للفتاتان المتصلبتان من المشهد: هَيا ، لجين تعاليا .

نظرت الفتاتان لبعضهما بتوتر وقليل من الخوف يصاحبه بسبب الصرير الصادر من العجلات لتركز لُجَين نظرها نحو السيدة التي تلوح لهما لتبتسم بفرح كما لو أنها وجدت طوق نجاة 

قائلة لهيا بحماس: إنها السيدة نادية ، لا تخبريني بأنكِ نسيتها بالرغم من خلافات أسرتينا فهي تبقي صديقة والدتي وعمتي !

ابتسمت هيا برقة وهي تهمس محذرة لُجَين: أجل أتذكرها ولكن ما يجول في رأسك الصغير لن يحدث دعينا نكمل مسيرتنا !

عبست لُجَين مُلحه على هَيا لتوافق في الذهاب وإلقاء التحية ومتابعة السير، استسلمت هَيا في نهاية الأمر لمجرد إبقاء المجريات سلسله وعدم ترك فضيحة تعم في الشارع فصوت ذلك الصرير قد لفت نظر الكثير للموقف كيف لا وقد صرخت منادية باسمهما!

خاطبت نفسها برجاء" إلهي ، لا تجعل هذا اليوم عسيرا واسترنا برحمتك " .

راقبت هَيا كتلة المعدن الواقفة أمامها بصمت وتوجس بينما اتجهت لُجين لتحية السيدة نادية بخفة ثم يستكملان مسيرتهما الشاقة نحو الشركة ، بدأت تشعر بالضيق لوقوفها الطويل والقلق من تلك العينين التي تلاقت بعينيها مصادفة ، حينما فتح زجاج سيارته الفارهة وقبل أن تستطيع مناداة لُجين وجدتها تصعد داخل السيارة مع السيدة نادية القابعة بالمقدمة، ولُجَين التي تمركزت بالمقعد الخلفي وقبل أن تستوعب الأمر كان السيارة تتقدم باتجاهها !

شعرت بأنها لن تستطيع القيام بأي شيء آخر غير الانصياع هذه المرة لرغبة لُجين اقتربت بخطوات مترددة من قطعة المعدن القابعة في منتصف الطريق ، وكل الأنظار موجهه نحوها فبطريقة أو بأخرى لقد تسببت بهذا الأمر لنفسها ألم يكن من الأفضل لو انتظرت إلى أن يرسل والدها أحد ما لاصطحابها بدلا عن هذا الغريب ؟!

ركبت السيارة بإمتضاض تام وكتفت يديها متجاهلة سعادة لُجين التي لن تضطر للسير خطوة إضافية حتى لا تفسدها أشعه شمس السماء الساطعه ، لم تعلم ما الذي سبب ارتفاع الحرارة بجسدها بشكل مفاجئ أهي نظراته التي التقت بنظراتها بشكل عارض ؛ أم أن حرارة الشمس تغلغلت لعروقها وتقوم الآن باحتباس حراري ؟!

لم تغفل عن الحديث القائم بين لُجين والسيدة نادية والتي أصرت بأن لا تكون طرفا فيه فهي لم تعتد التحدث وشخص مجهول تماما يتوسط أحاديثهم النسائية ، كانت تهرب بنظراتها لخارج نافذة السيارة والتي تسير بسرعة تفوق قدرتها على التركيز على المجسمات الطائرة لذا تنهدت مُغمضة عينيها تحاول عبثاً الاستماع لنبضات قلبها فمنذ حادثة الاحتراق في مزرعة والدها والتي كادت أن تؤدي بحياتها للهلاك أضحت تقدر كل ثانية تعيشها وتغامر بالتجارب بالرغم من الصعوبات والحواجز المرافقة لها !

ولكن هذه المرة لم يكن نبض قلبها اعتياديا لا تزال تشعر بنظراته تخترق جسدها وتضرم النار في ذراعها كجمرة مشتعلة لتعيد إحياء تلك الذكريات المريرة لتكسبها ملمسا وواقعا يصعب ابتلاعه زفرت بهدوء في محاولة لإزالة تلك الأفكار لتلاقي النجاح الفوري لأول مرة ياله من أمر عجيب ، فتحت عينيها برقة لترمش عدة مرات كمن قابل نورا ساطعا بعد ضياع في ظلام دامس لتواجهه نظراته للمرة الثانية من خلال مرآه السائق ليغزو الاحمرار وجهها وتصبح في موضع حرج ما الأمر معه لما كل هذه النظرات !

لا تذكر بأنها قد قابلته من قبل ، ولم يتحدث والديها عنه قبلاً إذا كيف له أن يكون جريئا هكذا سخافة تدعوا للضحك إذا ظن بأنها سهلة المنال كفتيات اليوم ، قررت تجاهل نظراته التي تبدو متسمرة عليها أصغت لصوت الإرشادات التي كانت تمليه والدته لإيصالهم للشركة والذي يبدو عليه بأن لديه معرفة جيده بها .
توقفت السيارة بكل فخامتها أمام أبواب الشركة لتهبط بخفة منها متجهة نحو الأبواب تاركة لُجين تهتم بعبارات الشكر التي ستلقيها على مسامعهم ، يكفي ما نالته من هذا الرجل كان البقاء في صفيحة المعدن تلك مزعجا للحد الذي جعل دمها يغلى داخل عروقها.

لحقت بها لُجين تواكب سرعتها في السير قائلة ببساطة: ما الأمر معك هَيا لم تنطقي بكلمة واحدة منذ ركوبك للسيارة إضافة على ذلك لم تشكريهم على كرمهم ..

قبل أن تكمل لُجين حديثها استوقفتها هَيا في منتصف الحديث غاضبة: لم أطلب منهم بأن يقوموا بتوصيلنا، ثانيا أعتقد بأنكِ تكلفتي بشكل جيد بشكرهم ، وأخيرا لا تقومي بفعل ذلك مرة أخرى !

لم تتوقف عن السير وتابعت لقاعة الاجتماع تاركة لُجين تفكر في قراراها المتهور لتحدث نفسها بصوت خفيض: لربما بالغت هذه المرة .!

لم تدم الفكرة في عقلها لوقت طويل فبعد أن استفاقت من غمرة تفكيرها تذكرت اجتماعها بعمها ولحقت بهَيا الساخطة لتحاول إصلاح الأمور معها فيما بعد .

تساءلت نادية عن تغير شادي المفاجئ في قرارها فهي تحفظ طَباعة كخطوط كفها وطريقته في القيادة المتسرعة خير دليل على ذلك كما أن نظراته لهَيا لم تغب عنها من الغريب كونه مهتما ولو قليلا بها فبعد انفصاله من ليال عكف عن الزواج لما يقارب الخمس سنوات فكيف له أن يغير قراره في لحظة واحدة ما السر !؟

وضعت يدها بحنية على كتفه قائلة بقلق: ما الذي يزعجك بنُي ؟

لم يبعد عيناه عن الطريق مجيبا باقتضاب: ليس هنالك شيء أماه لا تلقي بالا للأمر .

تنهدت مُبعدة يدها ولتختم الحديث العقيم: إذن خفف السرعة لا نريد التسبب بحوادث !

خفف من سرعة وحدة قيادته ليبدأ بلوم نفسه منذ متى أصبح عصيبا هكذا ؛ عليه التحكم بأعصابه لن تجعله يفقدها ولكنه سيقوم بتلك الخطوة المجنونة ويعقد الشراكة مع آخر شخص يرغب به .

انتهي الاجتماع على خير، انتشر الموظفون لينجزوا بقية أعمالهم بينما ظلت هيا في مكانها تحاول تحليل المعلومات حول المشروع الجديد الذي يحاول والدها البدء به ومن منظورها للعقد فهي مجازفة قد قام بها والدها مرات عدة ولكنها هذه المرة مختلفة !

مددت لُجين ذراعها بملل وهي تنظر لأبنه عمها المشغولة بالإحصائيات قائلة: لا تبذلي كل هذا المجهود لا يزال هنالك شهرين للتحضير .

لم تعر هَيا لُجين انتباها وأكملت قراءتها للشروط ، بينما اكتفي والدها بالمراقبة فقدرته على الحكم لم تتغير مع مرور الزمن كأنما زادته تلك السنين صلابة وموقعا لا يتزحزح في السوق وبما أنه لا يملك سوى ابنه وحيدة فهو مضطر لإدخالها في معظم القرارات والأعمال فهي وريثته الوحيدة أولا وأخيرا .

تركت هَيا الأوراق مطلقة تنهيدة كبتتها طيلة قراءتها للعقود لتلتفت لوالدها برسمية: لا أجد شيئا في تلك العقود الأمور سلسله كالعادة ولكن نحتاج لشريك قوي يعزز موقفنا في ربح المناقصة وبما أن المهلة قد قاربت على الانتهاء فعلينا الإسراع إن لم نجده خلال هذا الأسبوع سنعلن خسارتنا براية بيضاء !

استند بذراعيه على سطح مكتبه وأراح ذقنه على ظهر كفيه موافقا: أعلم ذلك لا نزال ننتظر الشريك الأنسب بالرغم من العروض المرسلة مسبقا ولكنها لا تلائم وضعنا للربح الأكيد .

نهضت بخفة من مقعدها تجمع مستنداتها بمهارة قائلة: إذا سأدرس العروض مجددا وسأقدم لك قائمة باقتراحاتي يمكنك حينها أن تقلص العدد وتجد الشركة التي ستتناسب مع شروط الدمج حينها يمكننا الاسترخاء!
ألقت بنظرة غاضبة باتجاه لُجين عند نطقها لكلمتها الأخيرة ثم استأذنت والدها بالانصراف للعودة وإنجاز العمل فلم يكن يكفها تأخرها اليوم بل هنالك العديد من التحضيرات والمستندات التي تنتظر حضورها بشوق .

ابتسم عمها بحنية مخاطبا لُجين: إذا ما الأمر معكما هذه المرة هل قمتي بتخريب إحدى ممتلكاتها مجددا أم عبثتي بكتبها القيمة ؟!
لأنها تبدوا غاضبة بالفعل كما لو أنك انتهكتِ إحدى المحرمات الخمس التي وضعتها خصيصا لأجلك .
استندت بجبينها على صقيع المكتب الزجاجي هاتفه بيأس: لنقل بأني خرقت القاعدة الثالثة لهذا اليوم !.

اقترب عمها بجسده الضخم باتجاه المكتب قائلا بمرح متنغم: إذن كلي آذان صاغية ، يبدوا كما لو أن صباحكما كان مملؤا ببعض الإثارة .

" آهه لو تعلم نصفه فقط " نظرت له بأعين قطة وديعة تائهة وبدأت في سرد الأحداث بتتابع .

في ذلك الحين لم يكن مزاج هَيا يوحي بأنها مستعدة لإقامة محادثة ودية أو حتى مناقشة شيء لا يمت بعملها بصلة لقد أضاعت ما يكفي خلال فترة الصباح وبما أن الجميع بمن فيهم العاملين في قسم الصيانة قد لاحظوا ذلك لذا وجدوا أن من المستحسن عدم إزعاجها ، قرابة فترة الغداء كانت قد أنهت نصف أعمالها ولم يبقي الكثير ألقت بظهرها على كرسيها الجلدي الوثير لعلها تجد الراحة بعد كمية الاجتماعات التي خاضتها للتو أغمضت عينيها المنهكتين من القراءة المستمرة والعروض المتتالية على شاشة العرض ولكن لا وقت لديها يمكنها أن تسترخي في المنزل بالقدر الذي تريده أما الآن فلا مجال لذلك فهي بحاجة لإنهاء العقود القادمة من أجل الدمج المشترك وقبل أن تتمكن من الانكباب في تحليل متواصل طَرق الباب بهدوء ؛ استقامت في جلستها وتأكدت من حجابها وبصوت ثابت أجابت : تفضل بالدخول.

دلفت لُجين بخطوات واسعة وهي تعض شفتها السفلى: اعتذر عن الإزعاج ولكن علينا أن نتحدث.

لم تلقي لتصرفها بالاً وتحدثت برسمية مبالغ فيها لتخفي غضبها المتزايد مع مرور كل ساعة: لنؤجل هذا الحديث لوقت لاحق لدي عقود بانتظاري وأيضا تعلمين بأني وعدت والدي بأن أسلمه العمل بأقرب وقت ممكن لذا إذا أمكنك أن تجلبي لي بقية العقود سأكون شاكرة .

" ولكن .. " وقبل أن تكمل جملتها نظرة من هَيا كانت كافية لتبتلع حديثها المقتضب وتجب بشكل آلي " سأحضرها حالاً " .

أسرعت لُجين لمكتب العلاقات العامة لتستلم ما تبقي من العقود لتقابل عمها في طريقها للمصعد سألها بحنان عن ما حدث لتجيب بحزن: سيكون يوما طويلا إذ إنها غاضبة جدا أشبه ببركان ثائر !

تنهد عمها وأرخي كتفيه المتصلبين عند دخوله للمصعد برفقتها قائلا: يبدوا بأنها ورثت أسوا الصفات مني لأنها لا تجيد التعبير عما بداخلها بشكل جيد عليكِ أن تنتظري حتى تهدأ وأقصد بذلك إلى أن ينتهي عملها .

استجمعت همتها المتناثرة لتوافقه القول: إذن لا بأس سأنهي أعمالي واتركها لبقية اليوم .

توقف المصعد بالطابق الخامس لتترجل منه شاكرة عمها وتنطلق بخفة نحو مكتب العلاقات العامة فهي لا ترغب بأن تؤنب بسبب تأخيرها إضافة إلى ما فعلته سابقا ستكون هذه القاضية بالتأكيد !

مرت الساعات ببطء شديد إلى أن حل المساء بستاره الملئ بالنجوم وبدره المكتمل كان عليه العودة لمنزله يعلم هذا من خلال موظفيه الذين انهوا ساعات عملهم منذ وقت طويل ولكنه على وشك الانتهاء ، طَرق الباب ليجيب بتحفظ: تفضل يا نبيل .

دلف نبيل وعلامات القلق بادية على ملامحه: سيد شادي ألن تغادر يرغب الأمن بإغلاق الشركة .

" إذن لا مفر من الأمر حسنا سأخرج بعد دقيقة يمكنك المغادرة أولا" قام بحفظ عمله على حاسوبه المحمول واختطاف سترة بذلته الرمادية وحقيبته السوداء وغادر بعد خروج نبيل بعدة دقائق .!

تمددت على أريكة منزلها بأريحيه فقد أنهت معظم العقود وتركت ملاحظات لكل عقد بما يناسب ذوق والدها لتدلف والدتها تراقب طفلتها الصغيرة المرتدية بجامتها القطنية ممدة على الأريكة قائلة: متى ستكبرين ألم تملي من ارتدا هذا النوع من ملابس النوم إنها تجعلك كطفلة مدللة .!

أطلقت والدتها ضحكة بسيطة على وجه طفلتها الغير مرحب بتعليقها الساخرة : حقا ماذا ستفعلين حينما تتزوجين لن يمكنك مقابلة زوجك بملابس كهذه عليكِ أن تتعلمي ، لقد أصبحت في الثالثة والعشرين مؤخرا !

تقلبت للجهة الأخرى من الأريكة مواربة وجهها عن والدتها قائلة بصوت مختنق: لا أريد سماع هذا الموضوع أمي أنا متعبة لذا دعيني أنل قسطا من الراحة أرجوكِ .

حاولت والدتها افتتاح موضوع هام معها ولكن قبل أن تستطيع تقديم الفكرة التي دارت برأسها منذ صباح هذا اليوم استوقفها زوجها خالد قائلا بصوت خفيض: اتركيه لوقت آخر نحن بصدد مشروع ضخم وقد استنزف الأمر طاقتها طيلة الأسابيع الماضية واليوم ليس مختلفا عن بقيته .

اتفقت معه على تأجيل الموضوع ولكنها لن تتركها على هذه الحالة فهي ابنتها ويحق لها عيش حياة خاصة بعيدا عن العمل ؛ غادرا تاركين صغيرتهم في دوامة من الأسف فهي لا ترغب بالزواج وتعلم جيدا بأن والدتها تخطط للأمر منذ فترة ليست بالبعيدة فالزيارات المتكررة والاحتفالات تلك لم تكن لتغيب عن ذهنها السبب من ورائها لذلك هي تتجنبه بالعمل حجة ممتازة ولكن إلى متى ؟!

حل صباح يوم جديد وأشعه الشمس ترسل خيوطها الذهبية عبر نافذتها لتوقظها ليوم جديد من حسن حظها بأنها قد قررت النوم على سريرها الطري عوضا عن الأريكة وإلا كانت ستعاني من الالآم طوال اليوم عليها أن تكمل عملها بنشاط فهنالك عقود قادمة بما أن اليوم هو آخر موعد لتلقي العروض .!

أطلقت شعرها القصير المجعد من رباطه وقررت أخذ حمام دافئ يعيد لها نشاطها المتقد ؛حوالي الساعة الثامنة والربع قدمت لُجين لمنزل عمها لتصطحب هَيا برفقتها لربما استطاعت إصلاح الأمور معها قبل الانطلاق للعمل .

نزلت هَيا لصالة الطعام لتفاجأ بحضور لُجين المنتظرة على طاولة الطعام لتلقي التحية الصباحية بود: صباح الخير، من الجيد حضورك لُجين سنتمكن من الذهاب سويه اليوم .

نظرت لُجين غير مصدقة التغير السريع لمزاجها قائلة بتردد: هَيا ، هل لازلتِ غاضبة .

سحبت كرسيا بجوارها وهمهمت قائلة: ولماذا سأكون غاضبة ؟

" حسنا .. بسبب البارحة حينما " ترددت في إكمال حديثها لتقوم هَيا بقرص خدها وهي تنظر لها بنظرات متطرفة" ما قصدك هل تظنين بأن علاقتنا هشة لتلك الدرجة لا تمزحي معي تناولي الإفطار ولنذهب !”

تحدثت بطريقة مضحكة وهي ترجوها بأن تترك خدها الذي سيتورم بسبب قرصتها: حسنا آسفة لن أكررها!
انتهت الفتاتان من إفطارهما بفترة قياسية وتوجهوا للعمل لُجين بقيت تحضر جداول الاجتماعات وهَيا تنسق العقود الجديدة ، تتالت الساعات ليحضر والدها خالد للشركة ليوقع على عدة شيكات وملفات ضرورية ومنها الموافقة على عقد الدمج المرتقب !
استرخي على كرسيه الجلدي ليطلق تنهيدة تعب طويلة لقد كبر على هذا العمل يحتاج لمن يخلفه عاجلا لم يعد بمقدوره مواكبة كل هذا التطور في أسبوع واحد استدعي سكرتاريته من خلال جهاز السنترال لتدخل مكتبه بتواضع ومهنيه لتستفسر قائلة : ما الذي يمكنني فعله لك سيدي ؟

ألقي بكلماته كالأوامر ليتخلص من جموده لهذه الفترة عليه أن يصمد قليلا بعد: أحضري لي كوب قهوة سوداء مركزة و أبلغي هَيا بضرورة حضورها بالعقود مع إلغاء بقية الاجتماعات المسائية لن أستطيع حضورها .

دونت بخفة بضع كلمات في مفكرتها التي طوتها بين راحتي كفيها لتجيب بمستوي صوت مسموع: كما تأمر .

لم تكن هَيا قد انتهت من آخر ملف بين يديها حتى حضرت السكرتارية لتطرق الباب كعادتها كسلسلة نغمات موسيقية ابتسمت هَيا لتستقبلها بحبور وهي تفتح الباب : تفضلي نداء ، مرحب بكِ في أي وقت .

دلفت بخطوات هادئة وابتسامة ناعمة ترتسم على ملامحها قائلة: عزيزتي لم يكن عليكِ النهوض لاستقبالي .!

" عيبَ عليكِ أنتِ بمثابة أختي الكبرى " احتضنتها هيا بعد معاتبتها بهذه الكلمات البسيطة فكم من مرة لجأت إلى نداء حين تخطئي أو تقع فريسة للجهل بكل جوانب العمل، لا تزال مستجدة حتى بعد سنين الممارسة الطويلة فهي لم تتخرج من إدارة الأعمال بل من الآداب والفنون وبعد الوضع القاسي الذي عاناه والدها اضطرت لترك أحلامها جانبا ومعاودة الدراسة بتخصص مختلف تماما إنها صامدة للآن بفضل من الله ثم بمساندة قوية من نداء سكرتارية والدها الموثوقة .

أشارت لها بالجلوس بجوار الطاولة التي تنتصف مكتبها الواسع مرحبة بصوت حاني: تفضلي نداء لابد وأنكِ مجهدة من الركض بالأنحاء أعلم بأن والدي يصعب الأمور في بعض الأحيان .

لم ترفض نداء الدعوة بل تقبلتها بصدر رحب وتركت لجسدها حرية نيل القليل من الراحة بعد الإجهاد في البقاء كتمثال حجري مستقيم: آهه بالفعل ، لقد طلب حضورك مع العقود وألغي اجتماعاته المسائية ويبدو بأني سأفعل المثل مع اجتماعاتك المسألة ستحتاج لوقت طويل حتى تتم مناقشتها .

ألقت هَيا بنظرة خاطفة للمستندات المتراكمة قبل أن تقدم لنداء كوب ماء بارد: تفضلي سينعشك هذا قليلا لا بأس فليس لدي اجتماعات فقد أنهيتها بالأمس اليوم سأكون متفرغة لوالدي بالكامل .

نظرت لها نداء بتعجب وهي تصفر صفيرا منخفضا: أوهه تلميذتي قد أصبحت متمرسة أشعر بأني قد وهَنت للقيام بهذا العمل .

ضحكت هَيا بخفة وهي تجمع المستندات بين ذراعيها والباقي في حقيبتها السوداء: لا تخجليني بمديحك وأيضا لا تزالين قادرة على القيام بضعف ما يمكنني إذا أبقي هنا قليلا قبل أن تكملي مهامك وأنا سأتوجه لمكتب والدي.

ابتسمت وهي تلوح لهَيا المغادرة قائلة: بالتوفيق تذكري بأن تحافظي على تركيزك .
ركن سيارته المرسيدس بإحدى مواقف السيارات وهو يشعر بالارتباك لقد استطاع بمعجزه أن ينهي تحضير عقده خلال الساعات الماضية ولا يستطيع إنكار بأنه لم ينل كفايته من النوم لذا عليه أن يحاول إبراز نفسه في هذا الموقف لطالما اُعتبر شخصية طموحة وتنافسية لذا فهو قادرعلى منافسة أي كان وإظهار تفوقه ولكن أمام شركة خالد الرافعي يشعر بأنه سيخسر جزءا ضخما من قدرته، يكفي ما قد عاناه في سبيل تحقيق الوعد المنسي لم يُخفي عن ذاكرته سبب سقوط والده طريحا لمرض القلب ، فبعد انقلاب أحد معاونيه ضده ناشرا إشاعات لا أساس لها من الصحة أسقطت أسهم شركتهم للنصف مما جعل العديدين يسحبون تمويلهم ومشاريعهم ليصبحوا على حافة الإفلاس ويعلنوا بعدها وفاة والده بنهاية السنة وتدمير كل أمل باقي للارتباط بمحبوبته .!

ولكن كل هذا قد تغير مركزه الآن هو رئيس شركة تعتبر الثانية دوليا وتنافس شركة خالد الرافعي على أضخم المناقصات ووجوده دافع ليستمر لن يتخلي عنها الآن حلمه الذي لطالما لاحقة ودفعه للأمام هي من أرادها ولكن القدر كان له رأي آخر، شحذ همته وتقدم برأس مرفوع وأكتاف عريضة وبدأ في شق طريقة لن يستسلم بعدما أجتاز مصائب تركت في شركته علامة الأصالة .

تقدم نحو منضدة الاستقبال ليحدث المضيفة التي استقبلته بابتسامة دافئة قائلة بمهنية: بما أخدمك سيدي؟
ابتسم مبادلا تحيتها الودودة قائلا بصوت واثق: أود مقابلة السيد خالد لدي موعد معه قد تم تحديده منذ عدة أيام عن طريق مساعدي الشخصي .

هزت رأسها تجاوبا مع طلبه وبدأت تنقر على أزرار حاسوبها بخفة لتأكيد موعد حضوره تحدثت معه وعيناها لا تزالان متسمرتين على الشاشة: إذن ما الموضوع لأستطيع إدخالك على الرئيس ؟

" مناقشة عقد عمل " ألقي بكلماته لتثير الفضول بينما بقي يراقب تحركات الموظفين في ساعات العمل .

تأكدت من الموعد التقطت سماعة الهاتف لتقوم بطلب السكرتارية ، لم تمر سوى دقيقة حتى أجيب علي اتصالها ، لتبدأ في سرد المعلومات: نداء هناك موعد للسيد خالد مع رئيس شركة سالم السالمي لمناقشة عقد عمل هلا تأكدتي من رغبته في مقابلته .

أجابت نداء بخفة وهي تنسق جدول العمل على حاسوبها: للأسف لقد ألغيت جميع اجتماعاته للفترة المسائية وهو مشغول حاليا مع هَيا وسيطول اجتماعهما ، أخبريه بأن يحدد موعد جديد .

لم تتواني المضيفة عن نقل الخبر قائلة برسميه:أسفه سيد شادي لقد قام الرئيس بإلغاء كافة اجتماعاته المسائية لديه عمل خاص مع ابنته لذا يمكنك تحديد موعد جديد للأسبوع المقبل .

لم يعجبه الرد لتتكور عقدة بين حاجبيه قائلا بصوت هادئ: أنا هنا لتقديم عرض بشان الدمج ، إن كان يرفض مقابلتي سأضطر للدخول عنوه لاجتماعه الصغير .

ظهر طيف الارتباك على ملامح المضيفة لتعيد الاتصال طالبة منه الانتظار لبعض الوقت لم يمانع فهو سيحصل على ما يرغب به عاجلا أم آجلا ؛ استقبلت نداء المكالمة متحدثة بعملية: حسنا ما الأمر ؟
قَصت المضيفة التفاصيل على نداء بصوت خفيض حتى تستعلم من رئيسها عن رغبته بشكل واضح تنهدت نداء وهي تخبرها بأن تقوم بإرساله ريثما تتأكد من الرئيس .

أغلقت المضيفة الهاتف ونهضت مشيرة للمصعد القابع في نهاية الممر متحدثة برسمية: أرجوك منك أن تتفضل من هنا مكتب الرئيس في الطابق السابع يمين الممر الثاني ، لقاءا موفقا .

ابتسم بجاذبية على انتصاره وتوجه للمصعد صاعدا إياه وقبل أن يغلق سمع صوتا أنثويا يخبره بأن يوقف المصعد لم يتردد في الضغط على زر الإيقاف لتصعد لُجين بخفة وهي تستجمع أنفاسها الضائعة معتذرة : آسفة ولكني متأخرة عن الاجتماع !

لم ينطق بحرف بل ظل صامتا وضغط على الدور السابع بينما اهتمت لُجين بترتيب مظهرها وحجابها الذي أُرخي قليلا ، وجهت نظراتها الفضولية نحوه لتستعيد ذاكرة الأمس حينما قام بتوصلهم للشركة مع والدته السيدة نادية أطبقت شفتيها عن الحديث وانتظرت بهدوء حتى أعلن المصعد عن وصوله لوجهته ، خرج شادي وتوجه حسب وصف المضيفة باحثا عن مكتب الرئيس خالد أما عن لُجين فقد شد انتباهها وجوده في هذا الطابق لم تستغرق في تفكيرها طويلا فاجتماعها مع موظفيها قد بدأ من 10 دقائق مضت لتسرع في الضغط على زر الطابق التاسع وهي ترجوا منه الإسراع في الصعود .

طَرقت السكرتارية الباب بهدوء بعد أن هندمت زيها الرسمي وأطلقت تنهيدة ساعدتها في استجماع حدتها المهنية ليتناهي لأذنيها الرد بالدخول، تقدمت بخطوات واثقة وهي تخبر رئيسها الذي انتابته موجة ضيق لمقاطعتها لاجتماعه المهم: لقد حضر رئيس شركة السالمي ليقوم بعرض عقد الدمج الخاص به .

تعَجبت هَيا من حضوره الشخصي وتوجهت بنظراتها لوالدها الذي سرعان ما أخبرها بقبوله وأنه سيضمه لاجتماعه الصغير ، هزت نداء رأسها بتفهم ومضت تنتظر حضور السيد شادي .

تحدثت هَيا برسميه بعد أن تركت الملف الذي كانت تناقشه مع والدها: أليس هو المنافس الأول لشركتنا كيف يريد أن يقوم بعقد دمج بيننا ؟

أرخى والدها ظهره المتصلب للكرسي وتحدث بحكمه: أنها صفقة رابحه والجميع يرغب بها ، وعلى أن أعترف لم أتوقع منه الحضور شخصيا للقيام بهذا العمل !

قَدم بخطوات متباعدة نحو مكتب السكرتارية وتحدث في صوت جهوري قليلا: لدي موعد مسبق مع السيد خالد .

هزت نداء رأسها بالموافقة وأعلنت حضوره من خلال السنترال للرئيس وبعد أن أبلغها الموافقة نهضت وتحدثت بترحيب لبق: مرحبا بكَ سيد شادي ، يتوقع رئيسنا قدومك تفضل بالدخول .

دلف للغرفة الشاسعة والتي تطل على المدينة من خلال ارتفاعها الشاهق ليتجه بأنظاره نحو المكتب الذي توسط المنظر الخلاب وبضع خزائن على جوانبه ، نهضت هَيا تأدبا رغم علامات الصدمة التي لونت ملامحها ليتقدم بهدوء مستمتعا برؤية الاندهاش والتعجب المطل من عينيها البندقيتين لتشير له بالجلوس بالمقعد المقابل لها لتستعيد تركيزها قائلة: أدعى هَيا خالد الرافعي نائبة الرئيس والمسؤولة عن عقود الدمج في هذه المرحلة يشرفنا حضورك لشركتنا .

تقَبل كلماتها وجلس بشكل معتدل واضعا حقيبته أمامه متحدثا: وأظن بأني غني عن التعريف .

هزت رأسها بشكل طفيف وألقت بنظرة سريعة لوالدها المتابع للأحداث بصمت غريب ، جلست هي الأخرى وباشرت في التحدث بعمليه: ماذا ترغب بأن تشرب هل تفضل القهوة أم العصير ؟

أشار لها برفضه لأي شيء لتكمل حديثها: إذن لنبدأ هل يمكنك تسليمي العقد الخاص بشركتك ؟

أخرج ملفاته من الحقيبة وقام بتسليمها إياه لتبدأ بخفة في قراءة السطور بهدوء ترك لها حرية تفحص العقد واتجه بجسده للقابع خلف مكتبه ملتزما الصمت توقع الكثير منه ولم يكن هذا من ضمنها !

لم يُسمع في الصمت المحيط بهم سوى صوت حفيف الأوراق التي تولت هَيا قراءتها وفي ظرف نصف ساعة أغلقت الملف مطلقة تنهيدة رضا ابتسمت بنعومة وهي تلتقط قلمها وورقة ملاحظات تخط بها بعض النقاط الأساسية ثم توجهت بحديثها لوالدها المترقب: العرض يفوق البقية في إيفائه لمتطالبتنا ومن خلال رؤيتي فلن تكون الخسائر جمه لكلا الطرفين ، وكما أنه سيساعد في دعم المشاريع المستقبلية أما في الوضع الراهن يمكنك القبول أو الرفض .

وضعت الملف برفقة ملاحظاتها أمام والدها وأكملت حديثها للسيد شادي: أشكرك لك حضورك لتقديم عرض يفوق بقية المتقدمين ، يمكنك مناقشة التفاصيل مع والدي سأغادر لترك لكما الحرية الكافية .

نهضت بخفة وعدلت من وضع حجابها البني المتناسق مع بذلتها مستأذنة من والدها: سأغادر مباشرة للمنزل من بعد إذنك إن احتجت لشيء ضروري اتصل بي .

هز رأسه إيجابا لتسرع بحمل حقيبتها السوداء وجمع أشيائها بداخلها تحت وابل من نظراته، ما تزال تشعر بالألم القادم من ندبتها ما الأمر معها كلما تصادفت معه تشعر بحرارة تلهب صدرها وتعيث الصداع برأسها لقد استطاعت بأعجوبة الانتهاء من تدقيق عرضه وتقديم ملاحظاتها تحت أوامر من والدها ، كانت طبيعية قبل حضوره آمنه وبغاية الارتياح ولكن الآن فهي كالفريسة التي ترغب بالهروب من الصياد !

ألقت التحية على مسامعهما وتوجهت للباب مغلقة إياه خلفها زافرة اختناقها بعلو لتقابل عينا نداء المتعجبتين قائله: سأتوجه للمنزل هلا طلبتي لي السائق عزيزتي ، لا أشعر بأني بخير البتة !

لم تتواني نداء عن الاتصال بالسائق واستعجاله بالقدوم لإقلال هَيا للمنزل فيما توجهت مباشرة نحو مكتبها ملقية حقيبتها جانبا ، تمددت على الصوفا علها تتخلص من الصداع المباغت ، طرقات عده على باب مكتبها أوحَت لها بالقادم لتتحدث بصوت مكتوم: تفضل .

أقحمت لُجين رأسها أولا بطريقة طفولية ثم ما لبثت أن دلفت بخفة وأغلقت الباب من خلفها لتتحدث بقلق: ما الحاصل معك ؟
أخبرتني نداء بأنك متعبة !

" أشعر بالصداع يمزق خلايا دماغي ، وبالحرارة تنهش جسدي لا أعلم ما المشكلة ؟ " أجابتها وهي تحتضن جسدها المرتعش .

اقتربت لُجين جزعه وهي تلمس براحه كفها البارد جبين هَيا المشتعل: يا الهي أنكِ كلهب مشتعل ، سأخبر عمي!

أمسكت هَيا بطرف معطفها ناهية إياها بكلمات متقطعة : لا تفعلي أنه في اجتماع خاص ، السائق على وشك الوصول، فقط لنذهب للمنزل . 

وافقتها لُجين بالرغم من امتعاضها: حسنا لنذهب .

في مكتب السيد خالد قَدم شادي عقده بنجاح وضَمن ذلك من خلال تقديم هَيا للعقد لوالدها مختصرة عليه المشقة في الجدال، ليتحدث خالد وهو يلتهم ملاحظات ابنته بعينيه: إذن كما يبدوا بأن العقد جيد ولا يختلف عليه اثنان .

ابتسم شادي بثقة وهو ينحني للأمام متابعا: إذن هل نبرم العقد في الأسبوع القادم تعلم علينا الانتهاء قبل تقديم الميزانية للمناقصة البريطانية .

أرخي جسده على الكرسي وأغمض عينيه لدقائق ثم أعتدل في جلسته ليتحدث بجديه: حسنا لا أرى مانعا من إبرام عقد الدمج معك ،ولكن علي القيام ببعض من التحقق لن يأخذ كثيرا من الوقت .

تحدث شادي وهو لا يزال بنفس الوضعية وهو يهز رأسه متفهما: لا بأس ما دُامنا قد اتفقنا مبدئيا .

شبك أصابع يديه ببعضهما على مكتبة وتحدث بنبرة مليئة بالندم: على أن أعتذر لك فعلا عن كل ما حدث سابقا ، لو كنت أعلم بأن ذلك الوغد الحقير هو من قام بتسريب الإشاعات وتخريب ممتلكات والدك ما كنت تهاونت في طرده !

أدار شادي وجهه في محاولة لطرد صورة والده على فراش الموت وذلك الحقير ينعم بخيرات شركته المنهارة ليتحدث من بين أسنانه: حسنا لقد فعلت خيرا بتسليمه للشرطة وأيضا لقد قمتَ بإثبات تفوقي في إعادة مجد والدي وتبرئة اسمه خلال السنوات السابقة .

" وبالنسبة لموضوعنا السابق هل لازلت مصرا عليه ؟" تساءل خالد منتظرا الرد منه .

أجابه شادي بصوته الهادئ الرخيم: بالطبع لم أغُير رأيي مطلقا !

(2)


تنهد خالد وتحدث بأسي: “إذن عليكَ أن تعلم بأنها قد أصيبت برجه دماغية حدث الأمر عندما ..”

هز رأسه متفهما ، وقد تدارك غضبه بالقبض على معصم يده متحدثا: “أظن بأني علمت ذلكَ منذ الوهلة الأولى!”

تابع خالد بصوت مهزوز بما يخالف طبعه ومظهره العام فالشعر الأبيض قد غزا سواد خصلاته والتجاعيد حول عينيه تحكي عن مدى تحمله: 

“عليكِ أن تكون صبورا ليس وكأنها نَسيتك ، بل إن ذاكرتها ضبابية نوعا ما ، لقد توقفت عن المحاولة تذكر الماضي ولحزني عليها صببت جام غضبي عليك وعلى والدك رحمة الله عليه “.

حاول شادي إيقافه عن التحدث فيما مضى ولكنه أصر قائلا: “
لم يكن الأمر بيدنا لقد قمنا بقمع الحديث عما جرى لم يتجرأ أياً كان على إخبارها ظنا منا بأنها سوف تتحسن وهذا بالفعل ما حدث ، وحينما سقط والدك نتيجة للمرض عانت ابنتي من مرحلة صعبة لم تستطع فيها النهوض من السرير لمدة أسبوعين لهذا لم أكُن عادلا معك قمت بلومك في كل مما حدث “.

كتف شادي ذراعيه وهو ينظر للرجل الأكبر منه سنا والذي لطالما قدره واحترمه بالرغم مما حدث بالماضي لا يزال يعتبره بمقام والده ، والآن قد أصلحت معظم الأمور وما تبقي لن يكون صعب المنال ، صحيح بأن مشاعره في تضارب مستمر ولكنه يبقي الصلة الأقوى للوصول إليها .

نهض خالد باستقامة توضح عتاد جسمه وجبروته كأنما استعاد صحته من خلال اعترافاته الصغيرة: إذن سنقوم بما يلزم بعد إتمام دمج الشركتين ما رأيك ؟

نهض هو الآخر دون أن توضح تعابير وجهه رأيه بالموضوع: لا مشكلة لدي ، سيقوم مساعدي نبيل بالتحضيرات وتسليم بقية المستندات وأي ما تحتاجه بالنيابة عني .

هز رأسه موافقا وقبل أن يضيف ختاما لاجتماعه الخاص رنه هاتفه مقاطعا إياه بإلحاح شديد أجاب على الاتصال بعد أن توجه نحو الباب وشادي يقف بجواره ليتناهي لأذنه كلمات بسيطة: هَيا مريضة للغاية ، عادت لها الحمى !

نبضة مريبة ، خفق بها قلبه وقلق استعر داخل عقله ، بينما هَدأ خالد زوجته الخائفة بكلمات ثابتة: سآتي فورا قومي بالاتصال بطبيب العائلة ، وأبقي بجوارها .

خرج بخفة تاركا شادي متجمدا بلا حركة داخل المكتب وأمر نداء بالاهتمام ببقية الأمور المهمة لحين انتهاء الدوام وانطلق بسيارته نحو المنزل جزعا داعياً الله بخفوت أن يحمي ابنته الوحيدة ، بالمكتب كان عقل شادي خاليا من أي فكرة لم يكن مملؤا سوى بالخوف والرجاء لينتشله صوت نداء من شروده، قدم اعتذاره وغادر هو الآخر نحو سيارته المصطفة في مواقف الشركة وقبل أن يصعد بها ضغط أزرار هاتفه وانتظر إجابة الطرف المقابل وبعد الرنة الثانية أتاه الرد بحيوية: أجل سيد شادي ، كيف سار الاجتماع ؟

أجاب باقتضاب وهو يفتح أبواب المرسيدس ويدلف بها: لقد نلنا العقد قم بتحضير المستندات ، وأيضا تولى المسؤولية لبقية اليوم فأنا لن أحضر ؛ أعتمد عليك نبيل .

أجابه نبيل برسمية ولهجة لبقة : يمكنك الاعتماد علي ، سأبلغك بالمستجدات حينما تصبح متفرغا .

انهي شادي الاتصال وتوجه مباشرة لشقته حتى يعيد التفكير بمجريات أحداث هذا اليوم المتوتر ، وترتيله لم تفارق شفتيه " يا إلهي ، أبقها لي “.

في ظهيرة اليوم التالي استفاقت هَيا من نوبة الحمى محاولة استجماع القدر الكافي من قوتها لتنهض حتى تتحمل مسؤولية الشركة مع والدها فأمامهم عقد كبير ومهلة قصيرة ، أمر ذلك الشادي لا يزال يزعجها !

لقد مرت فترة طويلة منذ أن أصيبت بحمى تجعلها تلزم السرير لأيام وربما لأسابيع ، أطلقت تنهيده بسيطة وهي تُسند ظهرها بظهر السرير تستمد منه صلابته ، أصابها الصداع مجددا كآلة نخر تحفر في جدار دماغها أطلقت على أثرها صرخة مكبوتة لتومض ذكرياتها أمامها باهته ، مشوشة وبعيده ..

وكزته بمرفقها وهي تبعده عنها قائلة بغنج: “ يكفي شادي ألست قريبا جدا !”

احتضنها قريبا لصدره وأحاطها بذراعيه واسند ذقنه على رقبتها فيما هي تحاول إيجاد كتاب جيد في مكتبة والدها: ماذا ، ألا يمكنني أن اشتاق إليك ؟

استرقت النظر إليه بطرف عينيها فيما كان يشتم رائحة عطرها الأخاذ مبتسما بجاذبية: 
“حسنا متى ستوقفين فترة عقوبتك لي لقد أخبرتني بأننا نستطيع إعلان خطوبتنا منذ فترة قريبة “.

أغلقت الكتاب الذي توسط يديها وأعادته مكانه مماطلة في الإجابة وتملصت بخفه من ذراعيه وقدميها تترقصان بخفة في الغرفة: لن أخبرك ، لا يزال الوقت مبكراً للإعلان عنه !

ارتفع حاجبه الأيسر وعيناه تتوعدانها بلمعة شيطانية ليركض خلفها مطلقا تحذيرات بأن تبقي ساكنه بينما هي تحوم بالمكان لئلا يمسك بها وضحكتها الرنانة تصبح صدى مع تلاشي الذكرى ..

اتسعت عينا هَيا بصدمه وهي تتمتم: لقد تقابلنا ولكن ، كيف لي أن أتذكره الآن !
من هو شادي حقاً ؟!!!..

وضعت يدها على صدرها لتشعر باتساع الفجوة الجاثمة بصدرها قبضت بأناملها على كنزتها متألمة وحيدة ، ضائعة حينها بدأ الصداع بالانحسار تاركا إياها حتى الموجة القادمة .
مر الوقت سريعا لتعلن xxxxب الساعة عن حلول الساعة 4:30 ليُطرق الباب بنعومة ، فتحت عيناها بتثاقل لم تشعر بوعيها وهو غارق بالنوم ، ارجعت خصلات شعرها القصيرة بخفه ورسمت ابتسامة هادئة: تفضل بالدخول.

دلف خالد وخلفه زوجته منى والقلق يرتسم على ملامحهم ، اقتربت منى تحتضن ابنتها متسائلة بخوف: هل أنتِ بخير ، كيف لكِ أن تصبحي مهملة بشأن صحتك ؟!!

تابعت منى عتابها لصغيرتها بالرغم من محاولة خالد لتهدئة الوضع: أتعلمين بأنني كدت أجن ، رباه حقا عندما أخبرني الطبيب بأن الإرهاق كان العامل الأكبر علمت حقا بأني علي احتجازك في المنزل ل 3 أسابيع للراحة التامة.

ربتت على كَفي والدتها مبتسمة برقة وهامسة: أنا بخير فعلا ، لقد كنت ..

وقبل أن تكمل حديثها دلفت لُجين كعادتها تسابق الرياح ، كادت أن تتعثر بضع مرات خلال صعودها للسلالم وصلت قطعة واحدة تنفست الصعداء وهندمت عباءتها ، ألقت التحية على عمها وعمتها بعد موقفها المحرج السابق لأوانه فهي لم تعتقد بوجود أحد برفقتها بهذا الوقت ، لم يطل والديها البقاء لمنح الفتيات بعض الخصوصية .

نزعت عباءتها مظهرة كنزه مزركشة الأطراف بألوان ربيعيه وجينز أسود ضيق ، أفلتت شعرها العسلي من حبسه تحت حجابها ليتمتع بقليل من الحرية ، ابتسمت وهي تجلس القرفصاء فوق سرير هَيا لتتحدث بحبور: 
آمل بأنك أفضل حالا ؟”

" تعلمين بأني أتحسن سريعا ليست حالتي بذلك السوء" أنهت حديثها وعادت تتدثر بأغطيتها .

ربتت لُجين على قدمي هَيا لجذب انتباهها وصوتها يحمل نغمة مألوفة لأذنيها: دعيني أخبرك عن شيء مهم حدث لي اليوم .

أجابتها هَيا من تحت الغطاء: أسمعك يمكنك التحدث .

سحبت لَجين الغطاء قائلة بحماسة : ليس هكذا ، هَيا استمعي لي .

اعتدلت بتملل بعد أن سرقت لُجين الغطاء لتبتسم بهدوء ونظراتها تلمحان بريق عينيها: دعيني أحزر لقد وقعتي بالحب ؟

هزت رأسها إيجابا لتتحدث بحالمية محتضنة راحتي يديها: آهه ، أنه وسيم بالفعل!
صادفته اليوم بطريقة عشوائية .

اتكأت هَيا على وسادتها وهي تنظر للُجين برقة مستمعة بحديثها بينما بدأت الأخرى في وصف لقائهم المُقدر إذ أنها تأخرت عن اجتماع أَمرت به منذ ساعة ، ولفقدانها بعض الملفات في طور التحضير بقيت في مكتبها لربع ساعة إلى أن وجدتهم وقد كانت مجموعة الملفات لا تتجاوز ال 6 ، ولقلة إدراكها بحس الاتجاهات اصطدمت بعرض الحائط كما اعتقدت ليتناهي لأذنيها صوته الهادئ القلق متحدثا: أعتذر أن سببت لكِ أي أذي ، هل أصابكِ مكروه ؟

لم تعر وجوده اهتماما بقدر ملفاتها التي توزعت بالأرجاء بدأت في التقاطها بخفة لتتحدث برسميه وبلا مبالاة: لا بأس أنا بخير .

شعر بالذنب على ما حدث وأنحي يساعدها في التقاط ملفاتها ، وبلحظة أمسك الاثنان بآخر ملف لتتلاقا نظرتها المحتارة بسواد عينيه بحر من الشوكلاتة الذائبة لتفقد حسها بالزمن لوهله ، إلا أن هاتفها أوقظها من غفوتها لتحمل الملفات وتتجه نحو قاعة الاجتماع تاركه خلفها قلبها المسكين !

تنهدت بإحباط وتمددت بالقرب من هَيا قائلة: لم أعلم ما اسمه ، وإن كان يعمل بشركتنا ياله من حظ !

قهقهت هَيا ضاحكة: حقا هل أنتِ متأكدة من حَبك له ، لا تنسي لقد سمعت هذه الكلمة لما تزيد عن تسع وثمانون مرة وهذه ستصبح التسعون !

نَفت وهي تخبأ وجهها تحت وسادة صغيرة صارخة بصوت خفيض: ليس هذه المرة ، فعلا هذه المرة مختلفة .

اعتدلت لُجين بجلستها بخفة واختطفت راحة يد هَيا ووضعتها يسار صدرها: إذا تأكدي بنفسك كلما تذكرت لقاء اليوم أشعر كما لو أن قلبي سينفجر .!

وبالفعل كان نبض قلبها يعلن عن استسلامه وهو يضخ دفعات متتالية من الدم ليجعل من وجنتين لُجين مصبوغة بالحمرة ، ابتسمت هَيا بحنو قائلة: هههههه إذن ما ستفعلين لا يمكنك مطلقا قول هذه الكلمات أحذرك منذ الآن!

عادت لتخبئ وجهها بين الوسائد مؤكدة قول هَيا: أعلم لست بذلك الجنون .

ضمت هَيا قدميها لصدرها تاركة مساحة للُجين حتى تعود لطبيعتها فهي لن تنتهي إلا بإعاثة الفساد هنا وهناك وقذف الوسائد على الجدار، ليدغدغ شادي مخيلتها من جديد ..

*****

" إذن " أتاها صوته وهو يحثها على الحديث بينما كانت تضيف قطع السكر بصمت لقهوتها المرهُ .

ترددت في بادئ الأمر ثم شحذت شجاعتها لتتحدث بنغمة باردة: سأقوم بإخبار والدي بأني لا أريد الارتباط بك بعد الآن ، ونلغي أمر خطبتنا حسناً لا عَلم لأحد بهذا سوى والدك ووالدي لذا لن يصبح الموضوع 
مشبوها ..

قاطعها بغضب وعيناه تقدحان شررا أصاب قلبها برجفة خوف: أتمزحين معي !
من المستحيل أن أقبل أمر كهذا ، أخبريني بسبب واضح يقنعني برغبتك بالانفصال .

ارتشفت قهوتها بالغة الحلاوة تكتم بها صرخات قلبها المعترض بالمثل لتتابع بهدوء: لم أعد أرى في قلبي ما يؤهلني للاستمرار معك ، بالإضافة لقد أتي شخص منذ فترة قريبة يرغب بخطبتي لذا ..

أخرس بقية الحديث بضربة من كفه على طاولة المقهى لتتوجه الأنظار الفضولية نحوهما: كلمة أخرى وسأقوم بشيء قد اندم عليه لاحقا !

أنهت ارتشاف قهوتها ورنين هاتفها عكر صفو اللحظة الصامتة لتجيب بحده : أعلم لقد انتهيت سأعود فورا .

نهضت دون أن تلقي بكلمة إضافية أوبالأقل نظرة للخلف ، تركت الطاولة متجه نحو السيارة عائدة للشركة وعقلها يلعن ذلك الحقير الذي أرغمها على فسخ خطبتها، ودموعها تتساقط بنعومة على وجنتيها..!

انتشلها صوت لُجين وهي تناديها لتتحدث متلعثمة: هاه .. ماذا ؟

نظرت لَجين بقلق وشَك مختلط: هل أنتِ بخير فعلا ؟
لابد من أنكِ ما زلتي متعبه ، فجبينك ملئ بزخات العرق وجسدك قد عاد للارتعاش .

" أعتقد بأني سأعود للنوم ، آسفة لُجين سنكمل حديثنا لاحقا " لم تمانع لُجين جامعه أشيائها وتغادر بهدوء لتعَود هَيا و تغوض بين أغطيتها ، في محاولة لاستدعاء النوم ولكن عوضا عنه جرف من الدموع الحارقة غلب رغبتها لا تعلم لما ، متعبه جدا هي !

يوم جديد قد حَل والعمل في الشركة على قدم وساق في محاولة لإنهاء الدمج بالوقت المحدد حتى يعودوا لأعمالهم ظلت لُجين تحدق للفراغ مرخية جسدها على كرسي مكتبها ينتظرها الكثير ولكن ذلك الرجل الوسيم يحتل الجزء الأكبر من ذهنها، كيف لها أن تعمل بهذا الوضع أطلقت تنهيدة طويلة تزفر بها الهواء القابع في صدرها للخارج نقرت بأظافرها على سطح مكتبها وهي تحاول تذكر ملامحه ، نظراته ، حديثه المهذب طرقات متعددة انتشلتها من تفكيرها لتستقيم بجلستها وتتحدث بهدوء: تفضل بالدخول .

دلف بهدوء وشفتيه ترسمان ابتسامة جذابة تزيده وسامة ملقيا التحية: صباح الخير، هل أنتِ الآنسة لُجين ؟
رمشت بعينيها عدة مرات تحاول استيعاب الموقف ثم ما لبثت أن نهضت بخفة وهي تشير له بالجلوس: أجل ، تفضل بالدخول .

حضوره المفاجئ بعد تفكيرها به أربكها استجمعت تركيزها وهي تراقبه يجلس مجاورا لمكتبها ويضع الملف الأزرق الضخم أمامه ، لتقوم هي بالمثل ثم تحدثت بمهنية: أخبرني كيف يمكنني مساعدتك؟

انحي قريبا منها ليقدم نفسه قائلا: أدعى نبيل راجحي المساعد الشخصي لرئيس شركة سالم السالمي ، لقد قيل لي بأن أقدم المستندات الباقية لإتمام الدمج لكِ لحين رجوع نائبة المدير .

هزت رأسها بتفهم ومدت يدها لتستلم الملف للتحقق منه ، لم يكن نبيل على عجلة من أمره حينما بدأت لُجين تتفحص الأوراق ومحتواها لم تعر وجوده اهتماما كبيرا كما حدث قبل لحظات لقد أصبحت متمرسة في فصل مشاعرها عن العمل لذا صبت كل تركيزها في الملف الواقع بين يديها أما عن الآخر فقد انتهز هذه الفرصة لتفقد تلك الجميلة التي ارتطمت به بشكل عارض البارحة لم يصدق كيف لجمال كجمالها أن يوجد في العالم بالرغم من سفره للعديد من الدول ؛ ولكنها مميزة بشكل مختلف وساحر هنالك أمر بها جذبه في اللحظة التي تعانقت بها نظراتهما لكن لا يزال غير مستعد لبدء رحلة تحفها المخاطر من كل الجهات قلبه ليس مستعدا بعد !

همهمت بعدة كلمات بسيطة و أغلقت الملف ثم أخرجت بخفة جهازها الخاص الآيباد لتضع ملحوظة لنفسها في قائمة المذكرات باستخدام القلم الإلكتروني حفظت المذكرة لتتابع حديثها له: لا مشكلة بهذا المستند أنا بحاجة لبضعه معاملات لم أجدها حاضرة أيمكنك أن تتأكد من رئيس شركتك بشأنها ؟

أستند بمرفقه على سند الكرسي بعد أن تمكن من حفظ التوازن الداخلي بعد أن عِيثَ بسببها ليتحدث بهدوء وثقة: أخبريني بما تريدين وسأحضره لكِ ، ولكن لا أظن بأن هنالك ضرورة لتلك المعاملات .

ابتسمت ابتسامة ناعمة لتظهر غمازة زادتها فتنة لتؤكد على صحة حديثها: نحن نهتم بالتفاصيل يا سيد نبيل لذا فأنا أصر أن تحضر لي تلك المعاملات ، إذا سمحت .

رنين هاتف مكتبها أوقف النقاش معلنا إياها منتصرة لتجيب وذات الابتسامة لم تفارق شفتيها: صباح الخير ، أهلا نداء ما الأمر ، أجل اجتماعي مع الرئيس في تمام الثانية عشر ، أجل لا بأس معي يمكنني تأخيره .

" حسنا ، شكرا لكِ أراكِ على خير" أنهت حديثها وأغلقت الهاتف متوجهة بنظراتها نحو الشخص الجالس أمامها. 

استلمت الملف الأزرق الضخم مع بقية ملفاتها ونهضت بخفة لتستأذن قائلة: اعذريني ، ولكن ينتظرني يوم حافل إن كان هذا كل ما أردت تقديمه فسأعمل عليه ، وشكرا لقدومك .

نهض هو الآخر موضحا فرق الطول بينهما وجمال ملامح وجهه اصبحت أكثر وضوحاً ليتحدث بنغمة مهذبة: إذا سأنصرف من فوري ، ولكن سأحتاج للتواصل معكِ وخصوصا في هذا الأسبوع لإنهاء اللازم.

انتشلت حقيبتها من الأرض لتبحث عن بطاقة عملها وما إن وجدتها حتى قدمتها له بروح قلقة فهذه هي أول مرة تقوم بعمل طائش خلافا للمرات السابقة: تفضل أنها تحمل قائمة أرقامي اتصل بي إن استدعت الحاجة .

وقلبها يخبرها بحديث آخر" بل اجعليه يتصل بأي وقت ، دعي له مجال الاختيار" بينما اعترض عقلها على سخافة ذلك الحديث" لا تدعيه يرى لهفتكِ عليه ، ابقي حازمة وثابتة أريه إمكانياتك أنتِ لست مجرد عرض !”

حُل النزاع وسَرق نبيل انتباهها حينما انحنى برأسه قليلا ليغادر تاركا لُجين تحارب وحيده بين طرفين شرسين هي لا تنكر بأنها أحبت تسع وثمانون مرة لكنها ليست مثل هذه المرة أبدا ، فحبها كان شكلا ظاهراً أما أن يكون رجل وسيم ، خباز ، صحفي ، ممثل ولكنهم كانوا من خلف شاشة جهاز الآيباد لم يكونوا يوما متواجدين بقربها بل بعدين كل البعد عن متناول يديها ؛ ظلت تُقنع ذاتهاالمترددة بأنها لمجرد الحماية من الأذى والآن وقد وقعت خُرس الحديث !

انتهي اليوم على خير ، فقد نظمت مواعيدها للأسبوع القادم بمساعدة من نداء وأنهت مسؤوليات هَيا المتبقية ومتوجهه مباشرة لمنزلها استقبلتها والدتها ببشاشة وقد عرضت عليها وجبة عشاء متأخرة ؛ لكنها رفضت ذلك صاعدة لغرفتها بعد أن اعتذرت لتحظي بقسط من الراحة .

اقتربت من غرفتها لتدلف بخفة موصده الباب من خلفها وتخرج هاتفها المحمول وهي ترسل نظرات شرسة تتوعده بالويل والويلات إن لم يعلن عن قدوم مكالمة هاتفية ولكن لا أمل لها في تلقي تلك المكالمة المنتظرة، ألقت بجسدها المنهك على السرير واحتضنت هاتفها لتغظ في نوم عميق .

في تلك الأثناء لم يكن حال نبيل أفضل فمنذ وصوله لمنزله المكون من طابقين توجه لمكتبه الموجود في الطابق الثاني وبدأ في فرز الأعمال المهمة ، ولم يترك أي منهما دون تدقيق أو ملاحظة كما لو أنه يرغب بملء عقله بأمور أكثر أهمية تنبه لوجود أحدهم بالقرب من الباب ولم يكَن أي شخص عدا عن جدته التي احتوته بعد انفصال والديه ؛ ابتسم وهو يقترب باتجاهها قائلا: لما أنتِ مستيقظة للآن؟

نهرته بإشارة من إصبعها السبابة معاتبة إياه بقلق: إياك لا تظن ولو للحظة بأن ابتسامتك هذه ستخدعني، أن الوقت متأخر جدا للعمل أيها الفتي !

رفع راحة يديه أمامها باستسلام ممازحا جدته: لا أحمل أي شيء ، وأيضا ألم تخبريني مسبقا بأن لدي ابتسامة تطيح بعقول الفاتنات لما لا يجدي الأمر معكَ مع أنكِ فاتنة جدا .

وكزته بالعصا التي ترتكز عليها في خصره مؤنبة إهماله : لن تنجح معي، صحيح بأنك قد ورثت جاذبية أجدادك ولكن ينبغي عليك الحذر، فتيات هذا الجيل جريئات جدا لا أستبعد قيام إحداهن بفعل مهين .

كتف ذراعيه وهو ينظر برقة لاهتمام المرأة الوحيدة الصادقة في حياته متابعا حديثه: حسنا ، لقد كبرت على هذه النصائح ولكن بالعادة أسمع منك خطاب عن رغبتك برؤية أحفاد لي هل تغير رأيك ؟

" لا أصدق ، إنها معجزة بالفعل " تلاعب بلحيته المشذبة بعناية بأطراف أصابعه وهو يحاول فهم ما يدور بخلدها .

تجاهلت تعليقه الأخير وحدقت به بطرف عينيها وهي تتوجه للخارج قائلة: لا تستبق الأحداث إني أؤجل هذا الحديث لوقت لاحق ، عليك أن ترتاح لا ترغب بأن تفسد عملك بالتغيب نتيجة للمرض .

عادت لغرفتها وهي مطمئنة البال فقد أصبح من الصعب مواكبة تحركاته تشعر بأن المرض قد اشتد بجسدها لقد تقدم بها العمر وعليها أن تجد زوجة له بأقرب وقت ممكن وإلا ستكون الحياة قاسية عليه ، لم يغب عن ذهنها الصعاب التي خاضها بعيداً عن والديه بل لتوضح المفهوم لقد تخلى كلاهما عنه، فبعد انفصالهم البشع تَرك ابنها الطفل برعاية والدته وسافر ليكمل دراسته ويصنع لنفسه اسما أما بالنسبة لزوجة ابنه فلم تكن ترغب بمسؤوليات تربطها بزوجها السابق لذا تركته في عهدتها وأنشأت حياة جديدة ليكبر الفتي دون أن يعلم بشعور العائلة ، أو بشعور أب فخور ولا أم خائفة ، تركوا لها المهمة الأكبر والأصعب وهي إغلاق جروح في قلبه لا زالت تتراكم ! 
لم تخبره سوى أجزاء متفرقة من الحقيقة ولكن لابد من أنه قد عَلم الحقيقة كاملة في فترة من فترات حياته ؛ سَعلت بشدة وهي ترقد على سريرها لتستقيم بجلستها وترتشف كوب الماء الموضوع على طاولة صغيرة بالقرب منها وهي تناجي الرب بأن يمهلها القليل من الوقت .

لم تكن هَيا قد استيقظت من نومها بل كمن استشعرت بوجود شخص معها في الغرفة ، يد كبيرة دافئة لامست راحة كفها حاولت أن تفتح جفني عينيها ولكنهما امتنعتا عن تنفيذ الأوامر ليختفي الدفء وتسمع إغلاق الباب بعد وقت قصير ؛ بعد ساعة نهضت وهي تشعر بالحيوية وبأن جسدها أصبح أفضل لم تدركَ الوقت بعَد لذا توجهت للاغتسال وتنظيم يومها فهي لن تقبل بأن تكون حبيسة للغرفة لأيام إضافية تكفى ثلاثة أيام متواصلة !

في ذلك الحين كان شادي قد استعاد تركيزه بعد غيابه عن العمل اطمأن على والدته فهو لم يستطع تركها وحيده لذا قضى معها إجازته المؤقتة ، ولا يستطيع أن يُنكر بأن زيارته السريعه في صباح اليوم للاطمئنان على صحتها هي السبب لعودته للعمل .

توجه نحو سيارته وهو يرتدي بذلة عمله السوداء وأشعل المحرك وقبل أن ينطلق اتصل بنبيل بواسطة هاتفه المحمول لم تغب سوى رنتين حتى أجاب قبل انتهاء الثالثة: أهلا سيد شادي بما أخدمك ؟

قاد سيارته خارج كراج المنزل سائلا: هل أنت بالمكتب الآن ؟

أجاب نبيل كعادته: بانتظارك لقد تم تجهيز كل الملفات وأحتاج لموافقتك وتوقيعك على بعض منها .

" سأكون هنالك خلال 10 دقائق " انهي المحادثة وأغلق الهاتف ليقود بالطريق بشكل جيد .

أنهت هَيا تحضير نفسها للعمل بعد أن وجدت في نفسها القدرة على الذهاب لتلاحظ بأن الساعة لا تزال الثامنة والنصف ، نزلت باستخدام السلالم للصالة المتوسطة بين 4، غرف ومدخل تلفتت يمنه ويسره حتى لا ينتبه أحد لخروجها فقد اتصلت مسبقا على السائق لتمسك فردتي حذائها ذو الكعب المنخفض وحقيبتها السوداء بيد وحجابها ذو اللون الكحلي بيد أخرى متوجهة للمدخل المؤدي لبوابة الخروج .

بخطوات هادئه تلصصت للفرار وقبل أن تتمكن من الوصول للمدخل سمعت صوت يصرخ بها أرعب خلايا جسدها كلها: هَيـــا !
إلى أين تظنين نفسك ذاهبة يا فتاة ، أنتِ مريضة .!

التفتت وقلبها لا يزال يدق بشدة لتكتم صرخاتها: أمي كيف تصرخين بي كهذا لقد أرعبتني بالفعل .

اقتربت منها والدتها وهي تسابق خطواتها وبيدها منشفة صغيرة تزيل بها البلل من يديها: من حقي فعل ذلك عندما أراكِ تتسللين كهاربة من المنزل !

انتصبت واقفة أمام والدتها ووضعت الحجاب على رقبتها قائلة: أمي انظري أيبدو لكِ بأني سأذهب للهو سأمر فقط على الشركة لأطمئن على لُجين لابد من أن العمل قد تراكم عليها في هذه اليومين أنها لم تزرني بعد أخر مرة .

أمسكت والدتها بيدها الحرة قائلة بسخط: لن تذهبي ، ستبقين في السرير لترتاحي لا تزالين متعبة .

وضعت هَيا الحقيبة وحذائها أرضا وأمسكت بيد أمها مخاطبة إياها برجاء وحنو: أمي أنا بخير انظري إلي أقف أمامك ، أعدكَ لن أقوم بأي مجهود ولكن لا أحب بأن أترك كل العمل على لُجين تدركين تماما بأننا في حالة صعبة .

ارتخت قبضة والدتها على رسغها لتتحدث بشك: أحقا لن تقومي بشيء أحمق ؟

نفخت وجنتيها اعتراضا: أمي ليس كما لو كنت أحمل الأثقال كل ما أقوم به هو اجتماعات وتنظيم العقود ما بكِ ؟

تنهدت والدتها معلنة موافقتها قائلة بحدة: حسنا موافقة ولكنكَ ستعودين مع والدك ولن تتأخري في العمل .

قبلت هَيا جبين والدتها بفرح وارتدت فردتي حذائها بخفة وحجابها وتوجهت للبوابة ، لتبتسم والدتها بحنو: لن تتغير مطلقا .

حين وصول شادي للشركة رن هاتفه معلنا عن قدوم مكالمة أجاب بحزم: أهلا ، من معي ؟

" شادي ، أيمكنك أن تحضر لمقابلتي الآن أنا بانتظارك في شركتي “

تعَرف على نبرة صوته ليجيب شادي بهدوء: أنا في طريقي إليك أمهلني القليل من الوقت .

انهي الطرف المقابل المكالمة ، ليقوم بمعاودة الاتصال بنبيل قائلا: سأذهب لشركة خالد أحضر الأوراق المهمة وقابلني هناك لابد من أنه قام بتحديد موعد توقيع العقود .

" حسنا ، هنالك بعض المعاملات التي أحتاج إليها سأوافيك بالشركة " أغلق هاتفه وبدأ في تحضير اللازم .

طُرق الباب بهدوء لتجيب لُجين غير آبه لمن يكون الطارق : يمكنك الدخول .

لتدلف هَيا بخفة وهي ترى لُجين غارقة في قراءة مستند وتوقع على أخرى لتصفر بدهشة قائلة: أوهه أرى بأن العمل مزدحم لديكِ !

رفعت لُجين وجهها عن الأوراق لتشاهد هَيا بحيويتها المعتادة لتصرخ بفرح: هَيا متى آتيتي ؟
وضعت سبابتها على شفتيها لتأمر لُجين بصوت ضاحك: أوشش أترغبين بأن يُسمع صوتك بالرواق .

نهضت لُجين بعد أن نظمت مكتبها وأقبلت تحتضن رفيقتها الغالية: آسفة ، لم أستطع معاودة الزيارة تعلمين بأن عمي يتكل على كليا من بعَدك ومن الصعب المجاراة حقيقة !

ابتسمت هَيا ضاحكة وهي تبعدها قائلة: لهذا أتيت سأذهب لوالدي وأخبره بعودتي لا أظن بأنك ستتحملين يوما آخر بدوني .

ضمت لُجين يديها قائلة : الحمد لله ، اذهبي إذن لا أظن بأن لديه أحد الآن لا يزال الوقت مبكرا .

اقتربت هَيا من الباب قائلة: حسنا سأذهب سيكون اليوم هو آخر يوم تقوم به بمهامي .

خرجت متوجة للمصعد لتشاهد ظلا لشخص مألوف ولكنها لم تتبين ملامحه لانغلاق باب المصعد ، اختارت مصعدا آخر وضغطت على زر الطابق أعلن المصعد عن وصوله لتخرج منه وهي تتنفس بعمق تعلم بأنها ستخوض جدالا مع والدها حول هذا الموضوع وقبل أن تخطو خطوة إضافية جذب نظرها الواقف عن يمينها وهو يقوم بإرسال رسالة بهاتفه همست بجزع: “ شادي !” .

وكما لو أن أذنيه التقطتا همسها الجزع لينتزع عيناه عن هاتفه ويقابل نظراتها الممزوجة بالدهشة والتعجب تقدم نحوها قائلا باحترام: صباح الخير ، كيف حالك اليوم ؟

بحركة تلقائية عدلت حجابها لتشتت توترها مجيبة بارتباك: صباح الخير لكِ أيضا ، أنا .. بخير .
استجمعت همتها لتسأله بهدوء: ماذا عنكَ هل أنت بخير ؟

تقدمها بخطوة والتفت برأسه مجيبا: أنا بخير ، لدى موعد مع والدك أترغبين بمرافقتي ؟

تقدمت مجاورة له وسارا معا باتجاه مكتب والدها ليسألها قائلا : هل يعلم والدك بحضورك ؟

وجهت نظراتها بعيدا ملوية فمها قائلة بذنب مخفي: لا لقد أتيت بدون علمه ، كما أنني بخير حقا لما الجميع قلقون بشأني لهذه الدرجة ؟!

أمسك مقبض الباب وتوقف لبرهة لتفعل بالمثل ، نظرت لظهره العريض وطوله الذي يجعلها صغيرة جدا مقارنه به لتعقد حاجبيها استنكارا لتوقفه المفاجئ ليتناهي لأذنيها حديثة: لأنك مهمة جدا للجميع فلا تتعجبي من قلقهم.

وقبل أن تستطيع نطق كلمة إضافية وجدت نفسها تتوسط مكتب والدها لتتحدث بلباقة معهودة برغم من اضطرابها المخفي جيدا: صباح الخير أبي ، سأعود لاستكمال مهامي منذ اليوم .

لم يكن خالد متفاجئ من وجود ابنته وهذا ما لاحظه شادي قبل أن يكمل والدها قائلا: أجل ، لقد أبلغتني والدتك بالأمر ، لهذا استدعيت رئيس شركة سالم السالمي للحضور أيضا .

انتابها شعور سيء حول هذه المقابلة المرتجلة فهذه ليست عادات والدها المنضبط والصارم ليقاطع سلسلة أفكارها قائلا: تفضلا بالجلوس ، سنناقش مسألة مشتركة بعيدا عن الأعمال .

هز شادي رأسه تجاوبا كما لو أنه يعلم ما يخبئه والدها ونطق بكلمات متفرقة: حسنا ، لنبدأ بالمناقشة .

أشار شادي لهَيا بالتقدم أمامه والجلوس قبله ، هذا النوع من التصرفات جعلها تشعر بالحرج قليلا لتتقبل تصرفه وتتقدمه بالجلوس في الكرسي المقابل لمكتب والدها بينما لحق بها شادي وجلس بالجهة المقابلة لها من المكتب .

تقدم والدها بجسده للأمام والقلق بادئ على محياه ليتحدث بصوت معتدل: المسألة هي ..

أصيبت لُجين بالإحباط الشديد لعدم اتصال نبيل بها ماذا كانت تتوقع يالها من مراهقة نهضت بخفة من خلف مكتبها لتقوم بتسلم المستندات التي انتهت من تحضيرها وبينما هي تهم برفع الملفات الضخمة من سطح المكتب طَرق الباب ليربكها ذلك ويفقدها توازنها مبعثرة بذلك الملفات على سطح الأرضية انحنت لتلتقطها قائلة بغيض: تفضل بالدخول .

أطل وجه نبيل الباسم من خلف الباب ليقع نظره على لُجين وهي تعيد حمل الملفات الملقاة ، ليسرع في مساعدتها معتذرا: يبدو بأني قد سببت لكِ المشاكل بطريقة غير مباشرة !

توقفت لبرهة ورفعت وجهها تحدق في ملامحه القريبة منها ، إنها مجنونة بالتأكيد كلما طرأ اسمه في عقلها تجده حاضرا أمامها ، عائدة للواقع بفعل انزلاق الملفات التي جمعتها بين ذراعيها لتحملها مجددا متابعه حديثها بتوتر: لا تقلق لذلك ، لقد أصبحت معتادة نوعا ما .

نهض بمجموعة كبيرة بين يديه ووضعها فوق سطح مكتبها وانحي ليلتقط يدها قائلا بتهذيب: دعيني أساعدك .

قبلت مساعدته بابتسامة خجلة ونهضت قائلة ببساطة: حسنا، بما أستطيع خدمتك هذه المرة يا سيد نبيل .

اختطف بخفة الملفات التي نعمت بقربها لدقائق وأخرج مغلفا بنيا من حقيبته ليسلمها إياه قائلا بثقة: المعاملات التي طلبتها آنسه لُجين لم أجد ضرورة للاتصال بكِ في حين يمكنني تسليمها لكِ رسميا .

اتسعت ابتسامتها مستلمة الظرف وفتحته لتخرج الأوراق وتبدأ في قراءتها تحت نظراته المتفحصة لا يعلم لما يشعر بالألفة معها هنالك سر في هذه المرأة يشعره بالانجذاب نحوها. 

همهمت مستحسنة الوثائق: جيد لقد تم الأمر ينبغي بهذا أن يؤدي الغرض المطلوب سيتم تقديم المستندات للرئيس اليوم ، سأتجه فورا لمكتبه إذن عن إذنك .

أخرجت الملف الأزرق من مكتبتها الزجاجية المغلقة وقامت بخرم الأوراق وأضافتها للملف وابتسمت بحبور، كانت أفعالها بسيطة ولكن ذو معني خاص بالنسبة لنبيل .

التفتت لتخرج من مكتبها ولاحظت وجوده فسألته: هل من أمر إضافي ؟

نفي بخفة وأجاب: وجهتنا واحدة ، لذا سأقوم بمرافقتك .

شعرت بقلبها يرفرف عاليا بطلبه لمرافقتها لطالما تمنت أن تبقي ملاصقة له ولكن يستحيل فعل ذلك قد تبدو مثل المخبولة كليا إذا ما اعترفت بهذا الأمر للعلن هزت رأسها بإيجاب وخرجت بخفة تنتظره حتى يحمل حقيبته.

******

في تلك الأثناء في مكتب الرئيس كانت خلايا عقل هَيا في تضارب مستمر فالخبر الذي ألقي على مسامعها والذكريات التي اجتاحتها مرة واحده قد سببتا لها عجزاً عن النطق ، بل حتى عن التعبير أحست كما لو أن اللون قد سُحب من بشرتها وجعلها باهتة جدا هشة بالفعل كغصن يميل مع أقل نسمة من الهواء !

راقب شادي انفعالاتها حذرا مما قد يحدث فهو لم يرد إعلامها بهذه الطريقة المباشرة ولكن لا ضرر من المحاولة ما لم يسبب لها الأذى ، ولكن تفاعلها كان عكس المتوقع فقد نهضت دون التفوه بحرف واحد خارجة من المكتب بخطوات مهتزة استندت براحة كفها على الجدار حتى لا تفقد توازنها وذكرى قاسية تحطم حواجز النسيان .

******

ابتسمت بمحبة وعيناها تتفقدان ملامحه الجدية أثناء حديثه ليباغتها بقولة: سأتقدم لخطبتك يا هَيا .

اتسعت مقلتي عينيها في دهشة من هذا الطلب المفاجئ: ماذا ، ما هذا الطلب !

ولما الآن يا شادي لا نزال في المرحلة الجامعية ولا تنسي سوف تتخرج عما قريب من إدارة الأعمال لذا لا تكون عجولا !

أمسك بيدها الحرة المتوسطة على طاولة المقهى الذي يجاور جامعتهما المشتركة ليعاود طلبه بثقة وعزيمة: لن يمنعني شيء من التقدم لك لطالما أحببنا بعضنا البعض فما المانع ولا تنسي بأن رسولنا الكريم قد قال" ما رأيت للمتحابين مثل النكاح " .

لوت شفتيها قائلة بإمتضاض: وماذا عن المجتمع وعائلتك ، بل كيف ستتقدم لخطبتي !

ابتسم بمكر وذات الثقة لم تغادر حديثة المنغم الذي أسعد قلبها: أبي يعلم بكل شيء ولا يمانع ارتباطي ووالدتي ترغب بزواجي بهذا الوقت أكثر من أي شيء آخر ، أما المجتمع لا يهمني بشيء البتة دعيهم يتحدثوا سرعان ما سيجدون حدثا جديدا لالتهامه . 

لم تجد ردا يلاءم حديثة الذي يشبه تسلط الملوك شعرت بأنها مسلوبة الكلمات لتنحي برأسها مخفية الخجل الطاغي على وجنتيها لتختم الحديث بقولها: افعل ما شئت !

في اليوم التالي لزيارتها لوالدها بالعمل وجدته في مكتبة وابتسامة الجذابة تلمع ليخبرها والدها بالخبر الذي أطرب قلبها كقرع ملايين من الأجراس ، لكن ما حدث بعدها حطم تلك الأحلام الوردية !
***

استفاقت من تلك الذكرى على صوته القلق نسبيا: هل أنتِ بخير آنسة هَيا ؟

التفتت لتواجهه لتوضح لعقلها بأن تلك الذكريات مجرد أوهام يستحيل أن تكون حقيقة وكيف ذلك وهو يتصرف بهذا الشكل كالغريب تماما ، بعد كل تلك اللحظات الحميمة والساعات التي قضياها معا يتعامل معها كغريبة استنشقت الهواء لرئتيها ووازنت جسدها لتسأله برجاء: هل من الممكن بأننا تقابلنا من قبل ، ولا أقصد بذلك حين قمت بإيصالنا للشركة ؟!

ولأول مرة شاهدت ملامح الصدمة تعلو وجهه مما أكد لها ذلك الشك القابع في جزء من عقلها لتقترب بخطوات بطيئة معيدة ذات السؤال: أخبرني هل تقابلنا من قبل ، هل كنا على مقُربة من بعضنا ؟

استطاعت أن تمسك بطرف كم بذلته راجيه منه الإجابة: شادي ، أخبرني ما الذي حدث لما لا أستطيع تذكرك؟

أمسك بيدها مبعدا إياها وأستعاد ملامحه الاعتيادية ليتحدث بصوت ألمها، أشبه بخنجر توجه مباشرة نحو قلبها: لا أعلم بما تهذين به ، لربما لا تزال أثار الحمى قائمة ، لم نتقابل قبل الآن آنسه هَيا ومن الطبيعي بأنكِ لا تتذكرينني لأننا لم نلتقي قبلا ؛ أرجو منكِ التفكير في عرضي سأنتظر الإجابة من والدك .

“ إذن اعذريني سأكمل المقابلة مع والدك يمكنك الذهاب واخذ قسط من الراحة ريثما ننتهي “.

صوت خافت تردد في جنبات عقلها مكررا جملة واحدة كصدى يعاد مرة تلو الأخرى 
" كاذب ! “

دلف للمكتب مجددا دون أن يلقي بنظرة أخرى لها ، لتخفض نظراتها على استحياء تمنت بأن تنشق الأرض وتبتلعها فهي لم تكن معرضة لمثل هذه المواقف ومع شخص مثل شادي !

أغمضت جفني عينيها اعتراضا على الواقع المفروض عليها لتشتد قبضتيها في محاولة يائسة للاحتفاظ بالباقي من تصميمها الهارب والمتسلل كلص خبير فيما يفعله ، ياله من خذلان نفسي .

شعرت بالضعف وبالدموع الحارة تتجمع كغمامة تغشي عليها الرؤية ، ليداهمها الشعور بالتعب لربما تسرعت بالحضور توجهت نحو نداء التي كانت تطبع تقريرا عن الدمج المرتقب لتتحدث بصوت مخنوق: نداء أيمكنك مساعدتي ، أشعر كما لو أني ..

شعرت مجددا بالإعياء ، ولكنها تماسكت لتسرع نداء وتسندها على كتفها قائلة: يا إلهي إن كنتِ متعبة لهذا الحد لما التهور دعيني أساعدك ، لنذهب للمكتب المجاور لا أظن بأنه قيد الاستخدام بهذه اللحظة .

لم تجب هَيا بل رافقت نداء القلقة بصمت ولا يزال عقلها مصمما على أن يغرقها في بحر الذكريات ، قطعت لُجين أثير الصمت بداخل المصعد متحدثة بلهجة لا تخلو من المرح: إذن بغض النظر عن قدومك هنا لأجل الأعمال ماذا يحتوي بقية يومك ؟

ابتسم نبيل وهو يستمع لصوتها المرح قائلا: لا أعتقد بأن لدي في جدولي اليومي غير الأعمال .

ألتفتت له بخفة عاقده حاجبيها ، مستنكرة فعلته: لا أصدق أتقول لي بأنك تقضي يومك بطوله غارقا بالأعمال !

دعني أهنئك على صبرك وطوله بالك ، فأنا لا أستطيع تحمل العمل سوى في الحالات الطارئة عدا ذلك ألتزم بساعات العمل .

" ماذا أقول شغوف بالعمل " ابتسم مستندا بظهره على المرآة الخلفية بالمصعد مكتفا ذراعيه .
جمعت لُجين أصابع يدها ما عدا سبابتها وحركتها يمنة ويسره قائلة بغضب مصطنع: لن يجدي هذا نفعا إذن ما رأيك بعد أن ننتهي من العمل نقضي بعض الوقت في شرب القهوة أعلم بمكان مقهى ممتاز ..

وقبل أن تكمل حديثها المفعم بالنشاط وضعت راحة يدها على شفتيها ، والخجل يغزو وجنتيها لتستدير للجهة المقابلة متندمة على العرض الذي قدمته لقد تهورت هذه المرة بالفعل نسيت حدودها وشخصيتها في حضوره !

اعتدل في وقفته وأعلن المصعد عن وصوله بفتح أبوابه لتخرج منه بخفه دون أن تنتظره مسرعة بخطواتها نحو مكتب عمها لتنهي عملها وتهرب للمنزل عن هذا الإحراج ، تبعها نبيل بابتسامة ضاحكة لم يتخيل بأن اعتراضها وحديثها سيبهجه لهذه الدرجة وعرضها المبتور سيجعلها تكمله بالتأكيد فلن تهرب منه .

طَرقت لُجين الباب بهدوء وأسئلة كثيرة تهاجم عقلها عن سبب غياب نداء عن مكتبها فمن الغريب منها مغادرة موقعها بدون أمر من المدير لابد من أن أمرا ما قد طرأ لم تدم سلسلة تساؤلاتها فقد قطع سيلها الجارف صوت عمها قائلا: يمكنكِ الدخول .

دلفت لُجين وسرعان ما لحق بها نبيل بخطوتين لتتحدث بمهنية تخالف طبيعتها: لقد حضرت لأقدم لك المستند المطلوب لقد أصبح جاهزا .

واقتربت من طاولة المكتب والتفتت مشيرة براحة يدها نحو نبيل تقدمه بصفة رسمية: وأيضا حضر السكرتير الخاص بالسيد شادي برفقتي .

وضعت المستند بالقرب من عمها واتجهت نظراتها تلقائيا للواقف أمام الستار الزجاجي المطل على أفضل موقع من المدينة لتتبين ملامحه لتنطق بأحرف مندهشة: سيد شادي ، أعذرني فأنا لم ألحظ وجودك .

لم يلتفت بل ظل على وضعيته قائلا: لا بأس لقد كنت على وشك الرحيل، ولكن من الجيد حضور نبيل حتى نتمكن من إنهاء اللازم وتحديد الموعد .

كتف خالد أصابع يديه ببعضهما وأخفض جسده للأمام مؤكدا: حسنا بعد أسبوعين من الآن ، وبالنسبة لموضوعنا الآخر عندما تقرر موقفها سوف نعلن عنه بذات اليوم .

ظلت لُجين تنقل نظراتها الحائرة بين الاثنين ثم أدركت بأنها ليست ملزمة لمعرفة التفاصيل وقررت الانسحاب بهدوء: حسنا ، سأعود لمزاولة عملي .

لم يغب توتر لُجين عن نبيل الذي كان نظره متمركزا حولها، شعر بأنه سيفقد فرصته الوحيدة للتقرب منها والتعرف على هذه الفتاة الاستثنائية حتى تحدث خالد قائلا: لا يزال عليكِ حضور هذا الاجتماع بدلا عن نائبتي فهي لم تحصل على الإذن في العودة للعمل .

تفهمت لُجين الوضع واقتربت لتجلس على الكرسي المواجه لمكتب عمها: إذن لنبدأ الاجتماع .
كان رأسها الصغير يعاني من الصداع وغثيان بسيط فلم تحرك جسدها الممد على الصوفا لتقترب منها نداء القلقة قائلة: كيف حالكِ الآن ، هل أخبر والدك أو لُجين ؟

وضعت مرفقها فوق جبينها وأغلقت عينيها حتى تخفف من رغبتها بالتقيؤ ونفت بيدها الحرة حاجتها إلى أي شيء نطقت بهدوء وتعب قائلة: أخبريني إذا انتهي الاجتماع فحسب سأرتاح إلى ذلك الحين .

تنهدت نداء براحة وعدلت من حجابها و اقتربت ناحية طاولة صغيرة مجاورة لمكتب العمل لتأخذ كوب الماء الذي وضعته سابقا، لتضعه بجوار هَيا على الطاولة الكرستالية التي انتصفت في الغرفة قائلة: حسنا تأكدي من شرب الماء عله يخفف من رغبتك بالتقيؤ .

هزت رأسها بإيجاب وغادرت نداء لتتركها غارقة في تفكيرها حول التعامل الجاف لشادي معها، الآن علمت سبب نظراته المتفحصة سابقا ولكن لما يرفض الاعتراف بأنهما كانا على علاقة خطبة أوشكت على التكلل بالزواج ما العلة التي حدثت وأوقفت كل مخططاتهما معا وأفسدت البهجة المستقبلة من يكون السبب أو ما هي المسببات الحقيقية ؟!

دمعة حارقة عبرت حدود وجنتيها ساقطة على حجابها تغرقه بقطرات مطرية ، وألم قلبها المفاجئ لم يرحمها من هذا العذاب مما جعلها تغرق في نوبة بكاء لفترة قصيرة من الزمن .

*****

انتهي الاجتماع على خير وتم تحديد الموعد المناسب لإتمام الدمج ليستأذن شادي بالرحيل أولا بعد أن انتهي من المناقشة وتوقيع المستندات متجهاً لشركته لإتمام بقية المشاريع ، لم تفوت لُجين هذه الفرصة أيضا لتستأذن بالمثل حتى تغادر وللحظة ظنت بأنها نجَت من الخضوع لموجة إحراج مذلة إلى أن استوقفها صوته الجذاب: لُجين مهلا!

التفتت بخفة لسماع اسمها المجرد من بين شفتيه لترمش عدة مرات قبل أن تجيب: ما الأمر سيد نبيل ؟

أعاد ترتيب خصلات شعره ، ومحاولة تنظيم تنفسه القائمة فقد اضطر لقطع نصف المسافة ركضا فلم يعلم بمقدار سرعتها في الهروب يا للنساء !

رسم ابتسامة رضي قائلا: ماذا ألن نذهب لاحتساء كوب القهوة أم عدلتِ عن الدعوة ؟!

كادت أن تقسم بأن دقات قلبها قد تصل لمسامع أي شخص سيمر بجوارها لذا تمالكت حماسها وابتسمت بالمثل قائلة: من دواعي سروري ، إذا لنذهب .

كان المقهى الذي اختارته قريبا من المكتب ومريح للغاية هادى ويتميز بتصميم كلاسيكي وموسيقي ناعمة تجوب الأرجاء اختار الاثنين طاولة تقع داخل المقهى مجاورة لنافذة مثلجة وبعد أن اتخذا كلاهما مقعدا مواجها للأخر، قدم النادل ليسأل بلباقة معهودة: مرحبا بكِ مجددا آنسة لُجين بماذا أستطيع خدمتك لليوم ؟

لم تلتفت للقائمة الموضوعة أمامها لتصدر طلبها بابتسامه دافئة : كعك بركان الشوكلاه وكوب قهوة بالكريما متوسطة السكر ، وكوب ماء مثلج .

تلقي النادل الطلب وبدأ في تدوين طلباتها بخفة في مفكرة صغيرة أخرجها من مئزر العمل، وتوجه بنظره نحو نبيل متسائلا: وماذا عنكَ يا سيدي ماذا نستطيع أن نقدم لك ؟

نقر نبيل على القائمة بأصابعه وبدأ غارقا في التفكير ليتحدث بعد لحظة سكون والابتسامة تعلو وجهه: سأدع الآنسة تطلب عني .

تفاجأت من رغبة في ترك حرية اختيار ما سيتناوله بين يديها لذا لم تمانع في اقتراح ما يناسب ذوقه لذا وقبل أن تقدم طلبه ليكون قيد التحضير: إذا سأتخلى عن الرسميات بما أننا خارج العمل ، هل تحب تناول الحلويات ؟

هز رأسه في إيجاب وتحدث موضحا في نغمة جدية: لكن لا أفضلها شديدة الحلاوة .

وجهت حديثها للنادل الواقف أمام طاولتهم بكل صبر وما تزال تنظر بملامح نبيل: سأطلب للسيد هنا كوب قهوة سوداء داكنة بدون سكر وحلوى التيشز كيك مع كوب ماء بدرجة حرارة الغرفة .

انحنى بلباقة بعد أن خط ما طلبته وأتجه ليتم التحضيرات بينما ظل نبيل يحاول تجرع الصمت الذي حل بعد أن طلبت له ، شعر كما لو أنها تدرك تماما ما يرغب به وكل هذا من خلف سؤال واحد لم يخطئ حينما شعر بأن هنالك ما يميزها عن الأخريات .

لم يغرق طويلا في تفكيره إذا أنها بدأت في التحدث عن أسباب تميز هذا المقهى عن غيره ، واستجاب لتيار الحديث ليجدا نفسيهما يتشاركان في العديد من الأمور .

*****

بينما هي تسترخي بعد نوبة البكاء التي اجتاحتها بدأت بالتفكير بجدية في عرضة ، مما أدركته للتو فقد كانا مخطوبين سابقا ولكن أن يعود الآن يبدوا الأمر غير صائب هنالك قطعة مفقودة في قصته ؛ وبعقلها تدرك تماما ذلك فمنذ ذلك الحادث فقدت القدرة على تذكر أفراد عائلتها لفترة من الوقت مما أرعب والديها ولكنها استعادتها بعد مرور أسبوعين من الحمى التي أصابتها إذا لابد من أن لشادي علاقة ما بعودة الأجزاء الناقصة !

حزمت أمرها ونهضت لتخبر والدها بقرارها لن تتراجع هذه المرة ، ستتولى المسؤولية كاملة ولن تبقي محتجزة خلف جدران الخوف !

ارتشفت قهوتها بهدوء دون أن تزعجه بحديثها المستمر عن أماكنها المفضلة وبقيت تحدق بملامح وجه الحنطية وشعره ذو اللون البني القاتم لقد وقعت بحبه منذ أول نظره ، قد يبدو ذلك صعب التصديق حتى أنها لا تزال في صدمة من الحقيقة بحد ذاتها؛ غرقت مجددا في بحر عينيه الداكنتين كليل حالك بلا نجوم إلى أن أسترعي انتباهها بطرق ملعقة القهوة بصحن الحلوى مصدرا نغمة حادة نوعا ما ، لم تستطع إخفاء ارتباكها فقد كان يراقبها بالمثل لتتحدث بتوتر: آسفة لقد تجاوزت الحد مرة أخرى .

ابتسمت عيناه وهو يرى ارتباكها وتصرفاتها المفاجئة إنها الأولى التي جعلته يرى جانبا مختلفا من الحياة: لا بأس حقا ، إذن هل نذهب لا ترغبين بالتأخر .

خفضت رأسها في حياء متسائلة: إذن هل يمكنك المجيء معي مجددا ؟

نهض من مكانه وفرقع بإصبعه ليستدعى النادل القريب منه ليدفع الحساب ثم أجاب: من دواعي سروري مرافقتك ، ما عليكِ سوى إخباري بالموعد .

نهضت بخفة لتدع له دفه القيادة والاهتمام بما تبقي وسرعان ما مضيا للشركة لإنهاء المتبقي من العمل، طرقات هادئة متباعدة نبهت خالد عن القادم ليجيب قائلا: تفضلي بالدخول .

دلفت هَيا بهدوء واتجهت لتجلس على الكرسي مباشرة لا تريد أن تفقد عزيمتها الآن لتتحدث بتوتر: هل غادر الجميع ؟

أزاح خالد نظارته الطبية عن عينيه ووضعها جانبا وأغلق المستند ونظر لابنته نظرة عميقة: أجل ، لقد انتهينا من الاجتماع قبل عده ساعات هل هنالك أمر ما تودين مناقشته ؟

تشابكت أصابع يديها مؤازرة لعزيمتها الهاربة ، لتتنفس بوتيرة هادئة تقريبا متحدثة : عن العرض السابق الذي قدمه شادي هل هو جاد ؟

أرخي والدها ظهره المتصلب على كرسي المكتب وأطلق تنهيده راحة متابعا: أجل ولما لا يكون كذلك ، لا يمكن للرجل أن يتراجع عن كلمة ألقاها ؛ هل قررتي ؟

"أتجيبين بالقبول أم الرفض ؟" تأملها والدها على وقع تلك الكلمتين إنه حقا آسف على ما آلت له الأمور وهذه هي الطريقة الوحيدة لإصلاحها وضمان بقاء الشركة في مأمن ترقب إجابتها منتظرا بصبر.

" أَقبل بعرضه ، أخبره بذلك ولتبدأ الاستعدادات " بهذه الجملة أنهت حديثها لتنهض مغادرة مكتب والدها ولتتجه للمنزل حتى ترتاح من نوبة صداع قاتلة ، بداية لموجة جديدة !

رنين هاتفه المحمول أزعجه مانعا إياه من إكمال بقية عمله على حاسوبه في منزله ، ليتجاهله في محاولة لإبعاد تفكيره عن العرض الذي قدمه لهَيا قبل ساعات مضت ليس نادما في محاولته الثانية هي الوحيدة الذي رغب بقضاء بقية حياته معها حبه الأول ، عشقه الأزلي لولا تدخل ذلك الحقير لكان يهنأ معها بحياة سعيدة .!

توقفت يداه عن النقر على مفاتيح حاسوبه لاستيعاب فكرة جديدة " لابد من أنها تفكر بطريقة مهذبة لرفض عرضه " !
هز رأسه بقوة حتى يطرد كل فكرة سيئة قد تحد من إصراره على إكمال ما يبتغيه عليه أن يستمر هي له ولن يتخلي عنها مجددا ، رن هاتفه للمرة الثانية يناجيه حتى يجيب على الاتصال ليستسلم في خوض محادثة لا نية له في إكمالها حتى النهاية: مرحبا ، من المستعجب بأن أرى اتصالك في هذا الوقت ؟

" للضرورة أحكام رغبت فقط بإخبارك برد ابنتي لعرضك " عند سماع شادي لجملته انتصب واقفا وحواسه مترقبة للرد المنتظر " بهذه السرعة ظننت أن الأمر سيأخذ وقتا أطول ؟!”

تحدث خالد بطريقة تماثل تعامل شادي مع الموقف" لا أخفيك أمرا لقد كنت مصدوما بسرعة تجاوبها مع عرضك لذا يمكنني القول بأني أتفهم تساؤلك " .

استند شادي براحة يده على مكتبه والقلق يرتسم على ملامحه شيئا فشيئا" إذن ما ردها ؟”

حملتَ إجابة خالد تنهيدة راحة عن حمل ثقيل ثم ما لبث أن تحدث" لقد وافقت لم يكن لديها اعتراضات يمكنك الحضور والتقدم لها بشكل رسمي وقد تم تحديد موعد الزفاف كما اتفقنا مسبقا”

ارتخت عضلاته المشدودة وابتسم قائلا " حسنا ، سأخبر والدتي بالأمر إذن لذلك الحين .”

انتهي الاتصال عند هذه النقطة ليشعر بضربات قلبه تزداد إنه متحمس لرؤيتها من جديد ، ليبقيها بقربه ويحميها من كل ما سيؤذيها هي وحدها كل ما آمل الحصول عليه منذ أن وقعت عيناه تحت تعويذة عينيها تلك اللحظة التي غيرت كل معاني الحب في قواميسه المظلمة !

لا تزال تلك الذكرى لأول لقاء تطرق أبواب الحنين في قلبه ، في ذلك الوقت لم يدرك بأنه سحر بها وأصبح يدور في مدارها كانت تمثل الشمس لحياته الرتيبة والمملة ؛ تلك الشمس المشرقة التي أحالها الكسوف لكتلة مظلمة !

*****

تثاءب للمرة الثانية على التوالي واضعا يده فوق شفتيه ، سائرا نحو قاعة محاضرته والتي لن تبدأ إلا بعد ساعة ولكن بسبب عدم انتظام مواعيد نومه لا يستطيع أن يبدأ بإهمال محاضراته دلف للقاعة وقدمه تسابق إحداها الأخرى حتى يستطيع وضع رأسه على إحدى طاولات الدراسة والاستغراق في النوم من جديد، وصل لمسامعه صوتها العذب في تحضيرها لعرضها أمام الزملاء بعد عده ساعات فقد كان مقرر المادة يحتوى على تقديم عرض لإحدى مواضيع المنهج وإيفائه بالشرح المطلوب وهو جزء من علامات السنة.

استفاق ذهنه على عذب كلماتها ظل مبهورا بطريقة حديثها وارتباكها في لحظات أخرى ، ولم تنتبه لوجوده بحيث أن تركيزها الكامل أنصب في تقديم الأفضل وإيصال المعلومة بشكل وافي !

أنهت تحضيرها وتنفست الصعداء بالنقر على شاشة اللمس ليظهر اسمها ختاما للعرض " هَيا خالد الرافعي " مَددت ذراعيها للأعلى ثم ما لبثت أن كتفتهما مجددا، تلخص كل ما رددته في عقلها حتى قرر تحطيم حاجز المتاهات بالتصفيق بكلتا يديه قائلا في نغمة مذهولة: حسنا لم أتوقع بأن أرى شخصية متمكنة لهذا الحد لقد جذبتي انتباهي واستطعتِ إيضاح جميع النقاط الضرورية بإيجاز بليغ !
عقدت حاجبيها في محاولة لاستيعاب وجود شخص إضافي بالرغم من تأكدها بخلو القاعة من الطلاب: ما الذي أحضرك لهنا ؟!

نزل السلالم الطويلة ليصل لمنصة العرض قائلا في بساطة: لقد جذبني صوتك وحديثك ، كما أن لدى محاضرة هنا ستقام قريبا لذا حضرت مبكرا.

تراجعت خطوة للخلف ولا تزال على وضعيتها السابقة: حسنا ، أشكر لك إصغائك ولكن هل أنهيت الكورس المتعلق بهذه المادة ؟

همهم ، واتجه ناحية شاشة العرض ليعيدها منذ الشريحة الأولى: سأساعدك إذا رغبتي بذلك، لقد أنهيت الكورس الصيف الماضي إذا فبضعة أسابيع لن تنسيني هذه المعلومات بسرعة كما أعتقد .

ابتسمت بخجل وقد أرخت موقفها الدفاعي: حسنا، أن كنت لا تمانع فأنا بحاجة لبعض النصح .

" صدقيني أنه من دواع سروري " اتسعت ابتسامته لتظهر صف أسنانه الناصعة مما زاده جاذبية !

نبضة مريبة تحركت خلف أضلعها ضاخة بذلك الدم لأوردة وجنتيها ، لتزيد التورد احمراراً تجاهلت نبضاتها التي كادت تصم أذانها لتتحدث بثقة " إذن هلا بدأنا ؟ “

*****

لملم شادي شتات نفسه وضغط بخفة على هاتف منزل والدته حتى يفاتحها بالأمر لن يستطيع تأجيل هذه المكالمة لوقت لاحق .!

مرت بضع ساعات قبل أن تستطيع هَيا استعادة صفاء الذهن فبعد موجة الصداع الأخيرة ظلت أسيرة لأغطية سريرها مما جعل الخمول والنوم يتسللان بنجاح لجهازها العصبي ، تثاءبت وجالت بعينيها أرجاء غرفتها تشعر بأن هنالك رائحة مألوفة عطر رجالي لم تلحظه قبل الآن أمن الممكن بأن والدها قد مر لتفقدها وهي نائمة ولكن سرعان ما نفت الفكرة فالرائحة مختلفة عما يضعه والدها بالعادة إذن عطر من هذا؟!

في فترات ذلك المساء تغيرت نسائم الليل لتزداد برودة مما دل على قرب الأمطار خلال الأسابيع القادمة ، شدت شالها الصوفي الأحمر المحاك يدويا على جسدها الغض الضعيف لقد تقدم بها العمر كثيرا من كان ليتخيل بأن الله سيرزقها ابنا آخر لتعتني به وتراه يكبر أمام عينيها ليصبح شابا يافعا مليئا بالطموح ؛ لم يقَدر لها بأن تُرزق سوى بابن واحد تزوج في سن مبكرة رغبة منه في تكوين حياة أسرية ولم تمانع بل أسعدها بطلبه ، ليفاجئها برغبته بطلاق زوجته بعد سنة واحدة والسفر لمتابعة حصوله على الدكتوراه تاركا ابنه ذو السبعة أشهر خلفه ، و زوجته لم تكن أقل لامبالاة منه فبعد أن تمت فطام طفلها تركته لدى جدته وكونت لها حياة جديدة ناكرة وجود ابن لها من زوج أناني بحسب إدعائها ليكبر نبيل تحت كنف جدته طيلة تلك السنين الفائتة ، تنهيدة متعبة زفرتها من بين شفتيها المجعدتين وهي تحمد الله على وجوده فلم يبقي لها في حياتها سواه بعد رحيل زوجها لخالقة بعد عِشره دامت لخمسة وثلاثون عاما !

تناهي لأذنيها صوت مفتاح المنزل وهو يعلن عن قدوم صاحبه لترحب به كعادتها بحنو: أهلا بعودتك كيف كان يومك ؟

لاحظت ابتسامة مشاغبة تشق طريقها لشفتيه مجيبا إياها بعد أن وضع حقيبته جانبا: لقد كان مثيرا للاهتمام .

اقتربت منه على مهل مستشفيه ملامح وجهه المستبشرة: حسنا لابد من أنك قد وجدت شخص ما ليبهج يومك، لم أرك سعيدا هكذا منذ فترة طويلة .

احتضن وجه جدته بين كفيه وقَبل جبهتها مبتسما: لربما أجاب الله إحدى دعواتك .

نظرت له بمكر بعد أن أبعدت إحدى يديه متسائلة: وما هي ؟ 
إني أدعوا الله لك بالعديد من الأشياء ، كن دقيقا يا فتى لست في عمر يسمح لي بحَل الألغاز .

قاد جدته نحو اريكه قريبة من المجلس المفتوح وأجلسها بهدوء وركع أمامها هو الآخر ليتحدث بجدية وصوت ملئ بالأمل: أمي ، أظن بأني قد وجدت الفتاة المناسبة لي !

التي يمكنني البقاء معها ، والركون إليها أن أجد معها سعادتي وأن تكون لي ، التي تتحمل هفواتي وتعذر زلاتي وتكون نعَم الأنيس لحياتي الباقية ؛ والتي ستسعدك بأخلاقها وجمالها أيضا .

أنهي جملته الأخيرة غامزا لجدته التي سرعان ما ضربته بخفة على كتفه لمزاحة عن الجمال قائلة بغضب مصطنع:أبتَ تلاحق الفتيات الآن ؟!

" لم أقم بتربيتك على هذا الأساس أبدا يا نبيل ، أنه أمر غير مستحسن في مجتمعنا “

أزاح سوء الفهم بعجل وعلامات القلق من رفضها تغزو وجهه: لا أبدا يا أماه يستحيل أن أخرج عن تربيتك لي، أن الأمر بدأ بمحض الصدفة صدقا ، لتتكرر اللقاءات لأجل العمل أنها مثابرة وتملك ما لم أره في الأخريات لا أعلم كيف أصف ذلك يا أمي ولكني أشعر كما لو أنها ولدت لأجلي كما لو أن روحينا التقيتا من قبل ! 

داعبت وجهه بيدها الدافئة المجعدة ورسمت ابتسامة رضى تطمئن به قلبه: كيف تظن بأني قد أرفض لك طلبا كهذا، نبيل إن هذه أول مرة أراك فيها تجاهد لأمر ترغب به لطالما كنت الابن البار لم تعصي لي أمرا وكنت الابن التي تتمناه أي أم مثلي لم تكن كثير المطالب أو عنيدا وجاف الطباع بل عكس ذلك تماما .

"والآن حان دوري لأقوم بخطبتك لتلك الفتاة ، من هي صاحبة الحظ السعيد التي امتلكت قلبك؟”
ألقت تلك الكلمات بسعادة تعلو سعادتها عندما زوجت ابنها الوحيد، لترى تأثير كلماتها قد أطاح بعقل نبيل ويبدأ في موجة قَبل لكفيها وجبهتها لتعترض ضاحكة" توقف ، لو كنت على علم بمقدار السعادة التي ستجلبها تلك الفتاة لك لكَنت زوجتك إياها منذ زمن " .

هدأ وسكَن في مكانه وتربع بجلسته متمهلا في الذهاب وطرق أبواب بيتها: أمهليني بعض الوقت أماه نحن بصدد عمل مهم ، حينما ينتهي سنذهب ونتقدم لها رسميا وخلال هذه الفترة سأتأكد من إن كانت ستوافق علي أم لا .

وافقته جدته القول بفخر " رأي سديد " .

تعالت أصوات النقر على لوحة مفاتيح حاسوبها المحمول محاولة تجاهل النقاش الحاد المحتد داخلها فقلبها متشوق لسماع صوته مجددا مخبرا إياها بجمل تذيب دفاعاتها:
" إنكِ لا تقومين بفعل سيء، فقط رنة لهاتفه وسيقوم بالاتصال بك وحينها أخبريه بأنك طلبتِ الرقم الخاطئ وأغلقي المكالمة “

بينما عقلها يعيد بناء حواجز تعيق جنون قلبها المتهور ناهرا بصوت هادر:
” توقف عن إرباكها إنها ليست لعبة، هذه حياة واقعية أي خطأ في هذه المرحلة تعني إرسال إشارات ومفهوم سيء عنكِ ؛ أترغبين بأن يشاهدكِ بصورة فتاة عابثة ؟!”

دافع القلب بخفة محضرا حجج واهية في نظر العقل" ولكني لا أقصد سوءا ، كل ما في الأمر هو رغبتي بسماع صوته الذي يبث فيني إحساسا يبعث على الإدمان ؛ كمخدر يرتفع بصاحبة لأعلى السحاب قام هو بذلك من خلال كلمة وحسب !”

نظرت لُجين ليمينها حيث يقبع هاتفها صامتا فوق سطح مكتبها لينهرها عقلها مجددا:
” إياكِ ثم إياكِ ، عواقب رغبتك وخيمة يكفي لهذه الليلة انهي عملك واخلدي للنوم لديكِ فرصة أخرى لمقابلته بالغد" 

ازدادت ضربات قلبها على تلك الفكرة فبالفعل هما يعملان معا الآن لذا ففرص اللقاء كثيرة ، لما الصوت والمقابلة وجه لوجه أفضل بكثير ؟

استعجلت النقر بخفة على مفاتيح جهازها في محاولة مستميتة لإنهاء التقرير والخلود للنوم أملا في لقاء الغد الذي قد ينتهي مرة أخرى في المقهى المجاور للشركة .

أنهت هَيا استحمامها وارتدت بجامتها القطنية لتنجح في استعادة نشاطها وحيويتها لتظل تفكر في أحداث اليوم منذ مغادرتها للشركة وعودتها منهكة بحمى وصداع نصفي ليبقي الحدث الأكبر الذي جعل من قلبها يقرع طبولا وتصبح وجنتيها مصبوغة بالحمرة هو موافقتها للزواج من شادي ، يا إلهي لقد وافقت على الزواج بعد أن حاولت التهرب منه في عديد من المناسبات !

أرخت عضلات جسدها المشدودة بجلوسها على الصوفا المفضلة لديها والتي تقابل سريرها الملكي الذي انتصف الغرفة بكل أناقة ، لتظل تعيد حساباتها فهي لم تنظر له في مرة واحدة بطريقة تخالف عادتها ولكن الآن بعد كل ما تذكرته مؤاخرا تشعر بشيء يربطهما معا حتى قلبها بدأ في سرد مشاعر منسية يكاد يتوقف من شدة خفقانه !

بقيت تجاهد لالتقاط الهواء لرئتيها ما يقارب الدقيقة وحينما استعادت هدوءها أجهشت بالبكاء حتى كاد يصبح نواحا ، سمعت طرقات متتابعة وصوت والدتها القلق" هَيا عزيزتي ، ما الأمر لما البكاء ؟”

حاولت كتمان شهقاتها بيديها ولكنها لم تفلح ، دلفت والدتها الغرفة واتجهت نحوها مفزوعة قلقة " ما الأمر عزيزتي ، هل يؤلمك شيء ما ؟”

احتضنت والدتها وتشبثت بكلتا يديها بها قائلة بصوت باكي" قلبي يؤلمني جدا ، كما لو أن شخصا ما أنتزعه من مكانة ! “

احتضنتها والدتها وبقيت تقرأ المعوذات على طفلتها الوحيدة إلى أن أستولي النوم عليها وجعلها تسَكن في حضن والدتها .

تنهدت والدتها وتساءلت بقلق" هل بدأت بتذكر تفاصيل أخرى عن الماضي ؟”

لم يكن الوقت في ذلك المساء متأخرا حينما قرر شادي الذهاب لوالدته وفتح الموضوع بشأن خطبته لهَيا في الأسبوع القادم لما لا والوقت مناسب جدا بهذا لن يلومه أحد ما لو عجل بأمر الزواج بعد فترة قليلة ، دلف للمنزل الذي حمل ذكرياته منذ الصغر وأفظعها موت والده مع هذا لا تزال والدته مصره على الاحتفاظ بالمنزل الذي قضت نصف عمرها به برفقة زوجها ، حاول معها كثير بأن تنتقل معه لشقه أصغر لأنها لن تكون قادرة على الاهتمام بمنزل يفوق حجم المنازل الأخرى المجاورة مساحة ولكن لا يزال الجواب كما هو .. الرفض !

بصوته الرخيم قام بمناداة والدته بضع مرات قبل أن ترد عليه بحنو من المطبخ القابع في جزء يبعد بضع خطوات عن المجلس الداخلي المتصل بمدخل ثانِ يؤدي لقسم آخر من المنزل، اتجه بخطوات متسارعة رتيبة وحين وصوله للباب تحدث بلهجة محافظة: أحتاجك في أمر هام أماه ، هلا تحدثنا قليلا .

" ما الأمر ، أهناك أمر يشغل تفكيرك ؟" تبعته بعد أن تركت ما شغل يديها من تنظيف للأواني ، لتبقي منشقة صغيرة رفيقة لراحة كفيها بغية تجفيفهما .

أشار لها بالجلوس جواره بعد أن اتخذ مقعده في أقاصي المجلس، ارتابت والدته لتتحدث بتوجس: حسنا أنك تقلقني !

ابتسمت عيناه قبل شفتيه وقهقه قائلا: لا تقلقي ، لم يحدث ما يثير قلقك أنه موضوع لطالما قمت بتأجيله .
تنهدت والدته بارتياح لتبتسم قائلة: إذن وما هي المسألة المؤجلة ؟

" الزواج " قالها بدون مقدمات للموضوع يكفيه ما سيواجهه من أسئلة من والدته .

همهمت قائلة وهي تضع المنشفة الصغيرة جانبا: همم حسنا لن أقول بأني تفاجأت ، يمكنك القول بأني كنت أعلم بأنك ستفاتحني بالموضوع في وقت ما .
" إذن ، ممن تريد الارتباط هذه المرة ؟ " نظرت له بحنو وأمسكت بيده الحرة تربت عليها تطيب بها خاطرها لتتابع قائلة" أخشي بأني قد كنت السبب في طلاقك من زوجتك الأولى لم أظنها قد تكون سيئة لهذه الدرجة !”

احتدت عيناه مغلقا الحديث" انتهي ما كان قائما بيننا منذ زمن بعيد أماه وأنتِ لستِ الملامة أبدا “
" وأظن بأن الفتاة التي سأرتبط بها قريبا ، تربطك معها معرفة طويلة الأمد " 

عقدت حاجبيها باستنكار" ليس لدى معارف مقربون لهذه الدرجة ؟”

" أرغب بالارتباط ب هَيا ابنه خالد الرافعي ، بما أن الشركة ستقوم بدمج قريب فلا أجد مانعا للأمر “

لحظة صمت عَبرت عن الكثير إلى أن نطقت والدته بما دار بخلدها: إذا ماذا تنتظر ، تعلم بأني لن أعارض لقد أصبحت المسألة تختص بقرارك أكثر من كونها تختص بموافقتي ؛ ولا أحبذ فكرة ربط خطبتكما بدمج الشركة قد يأخذ الكثيرون الانطباع الخاطئ حول مسألة زواجكما !

ابتسم وأسند رأسه على كتف والدته ليتحدث في نغمة مليئة بالامتنان: شكرا أماه واقدر لكِ قلقك لكن المجتمع لن يتوقف عن الحديث لا الآن ولا .. لاحقا .

ابتسمت بمحبة وربتت على رأسه بلطف وبسعادة عامرة أنهت الحديث قائلة " إذن لابد من نذيع الخبر السعيد، فهذا سيكون بداية جديدة لكلينا " .

في صباح اليوم التالي وخلال نصف ساعة منذ بدأ ساعات العمل الرسمية انتشر الخبر في كلتا الشركتين بأن رئيس شركة سالم السالمي " شادي السالمي" سوف يقترن بابنه رئيس شركة خالد الرافعي "هيا الرافعي" ولم يخلو الخبر من تناقل الإشاعات التي تعود لسنين خلت، إنهم عشاق للأحاديث الممزوجة بوقائع مكذوبة .

لم يكن هنالك أسعد من لجُين حين سماعها للخبر ، وبدأت في تقليب الأحداث في رأسها الصغير إلى أن وضعت استنتاجا مبسط لما يحدث حاليا ؛ إذ أن آخر لقاء كان شخصيا لهذا شعرت بغرابة الوضع .!
مع ذلك تأمل بأن لا تطفو ذكرياتها للسطح مجددا ، وعليه أن يُبقي سراً .

ولكن لما لم تخبرها هَيا بشأن هذا المخطط لابد من وجود سبب تركت استفساراتها جانبا لتنتهي من عملها بشكل أسرع ، ويمكنها لاحقا أن تمر على هَيا وترغمها على الحديث بكل ما تخبئه بجعبتها .

في ذلك الوقت كان شادي يتعامل مع بقية الأمور العالقة ويتجول في أنحاء شركته حتى يتأكد من عمليات الدمج المرتقب فلم يبقي الكثير وسيتم نقل كل شيء لشركة خالد الرافعي ؛ حتى تناهي لأذنه حديث بعض الموظفين 

تحدث موظف بتفكير متعجب " ألا تعتقدون بأنه أمر غريب بأن تتم الخطبة والشراكة بنفس الوقت ؟”

رد موظف آخر " لا ، أنه أمر طبيعي إنه كحفظ الحقوق للجانبين فكما تعلمون فلا يملك خالد الرافعي رجلا ليرثه فقط ابنه وحيده وقد سمعت مؤخرا بأن الرئيس كان على علاقة جيدة مع رئيسنا المرحوم سالم السالمي لذا فالأمر يبدوا طبيعيا" .

رفض موظف آخر افتراض زميله بالعمل " لابد من أنك لم تعلم بأن علاقتهما قطعت منذ إعلان إفلاس شركتنا والفضائح المقترنة بذلك أنسيت بأن ذلك الشخص الذي كان معاونا في شركة خالد قد سبب لنا الأضرار ! “

أعاد زميله الحديث بوقائع مصححة " لماذا ، لا تعلمون سوى نصف الحقيقة ؟! “

(4)


أعاد زميله الحديث بوقائع مصححة " لماذا ، لا تعلمون سوى نصف الحقيقة ؟! “

بالحقيقة لقد تم كشف الموظف ولكن سمعت بأنه توفي في حريق قد افتعله في مزرعة خالد الرافعي حين تم افتضاح أمره أنسيتم هذا ولكن كان الأوان قد فات لتصحيح الوضع بعد وفاة سالم السالمي جراء مرض ألم بقلبه”

أضاف موظف آخر بعد سماعه لأطراف الحديث" ولا تنسوا بأن موظف من شركتنا قام أيضا بخيانتنا والنصب على رئيسنا المرحوم لقد نال ما يستحقه ، لقد غَرم بمبلغ مالي خيالي وأيضا هو قابع بالسجن حتى الآن " .

تجاهل شادي بقية المحادثة وعاد لإكمال عمله؛ الجميع لا يعلم ما حدث حقا لأنه لم يخبر أي شخص بما جرى في تلك الفترة الغائبة ، ولماذا يخبرهم والجاني قد مات وحبيبة قلبه قد تتعرض لضغوط من ألسنة مجتمع لا يرحم !

ليتبادلوا الحديث بوقائع ناقصة وليتمتعوا بربطها في محور لا يمت للواقع بصلة كل ما يرغب به أن يحميها من ألسنتهم ومن نظرتهم المقيتة لها، هي لم تخطئ بشيء بل حاولت حمايته وحماية شركة والده وهذا يكفي لكي يحبها ويرغب بالارتباط بها أكثر مما مضى .

أنهي نبيل عمله المتراكم بعد أن قرر رئيسه بالعمل شادي القيام بجولة تفقديه للشركة ، وقرر أن يذهب ليقدم آخر الأوراق للجُين وحتى يستطيع جَس نبضها حوله بالرغم من أن الأمر واضح كوضوح الشمس إنها معجبة به كإعجابه بها وأكثر بقليل ؛ إنه يرغب بامتلاكها والشعور بقربها إنها أشبه بقبس نور ينير ظلمه وحدته !

اتجه نبيل مباشرة نحو شركة خالد الرافعي بعد أن وضع ملحوظة في مكتب رئيسه حتى يعلم أن ذهب ، فرئيسة لا يحبذ الاتصالات الهاتفية وقت العمل إلا للضرورة .

لم يستغرق الكثير من الوقت ليصل للشركة والذهاب بشكل مباشر لمكتبها طرق الباب بهدوء، ليسمع صوتها الحازم قائلا: تفضل بالدخول .

كانت تبدو ضئيلة الحجم وهي تحاول الوصول لرف يعلوها ببضعه سنتيمترات وهي ترتدي حجابها وعباءتها ذات اللون البني الفاتح ليتحدث ببهجة ملحوظة: أترغبين ببعض المساعدة ؟

التفتت والخجل يعتريها من قدومه المباغت لتفكر قائلة" لماذا كلما خطر ببالي أراه يأتي على عجل، لابد من أنني قد جننت “

لترتب هندامها وتقف بشكل محترم ، مجيبه على طلبه: حسنا لا أستطيع رفض عرض مغرى .

وأكملت وهي تشير بسبابتها على مجموعه ملفات بلون رمادي بما يقارب الصفين: أريد هذه الملفات لنقلها لغرفة الأرشيف ، كان من المفترض أن يساعدني شخص ما ولكنه قد علق في اجتماع مفاجئ .

ابتسم بجاذبيه ليخفق قلبها كالمجنون ، واضعا حاجياته جانبا لم ينسي ترك معطفه الذي سيكون عائقا بالنسبة له وقام برفع أكمام قميصه لمرفقه بعد أن حررها من الأسر ليقترب من المكتبة الزجاجية قائلا: إذن لنبدأ ، ولكن عليكِ إرشادي لغرفة الأرشيف.

كتفت ذراعيها وابتعدت بخطوات رشيقة لتعطيه بعضا من المساحة لتجيب مؤكدة: بالتأكيد كيف ستعلم الطريق بدوني .

بدأ في العمل والصمت سيد الموقف فقد كان يتولي عمليه إخراج الملفات من المكتبة وتسليمها إياها لتضعها جانبا حتى يتم نقلها على دفعات لكثرة العدد، وبينما هي مشغولة في ترتيب الملفات لم يرحمها قلبها إذ انه أعلن الخضوع التام في هذه المرة قائلا بثورة عصيان " هذه المرة لابد لنا من الاعتراف له ، أنظري إليه فحسب أنه الشخص المنشود ! “

تدخل العقل بحكم العادة ليهدئ من جنون القلب" أهدأ قليلا ، لا تستعجل الأمور لسنا واثقين من كونه يرى عزيزتنا بأنها المنشودة أيضا ؛ قد يكون حبا من طرف واحد ! " 

تجاهل القلب كلمات العقل كما لو أنه قد غرق في بحر اللاعودة " أنا لست منطقيا أبدا لذا توقف عن محاولتك هذه حينما أكون بقربه لا أستطيع سوى أنتاج هذه النبضات المتهورة كيف أن يكون هذا أمرا منطقيا استسلم فحسب" .

" لهذا أنا متواجد حتى أحكم الرباط عليك ، من غيرك يوقعنا في مشاكل لا غني عنها تستعجل الأمور وتقوم بربطها بأفعال ظاهرة بدون الاستناد للشخص الأخر واقعيتي تجعلني منطقيا لذا كن صبورا" أنبه العقل مما جعل القلب يلتزم الصمت ويهدأ قليلا ليعتاد تواجده بالقرب من هذا المخدر .

أطلقت لجُين تنهيدة طويلة حينما أنتهي نبيل من إفراغ الرفين العلويين قائلة: بما أن مجموعها لا يتجاوز ال25 ملفاً لنقسمها بالتساوي ونقم بنقلها على دفعات .

أعترض نبيل بهدوء وهو يرى كومة الملفات ممتلئة لأخرها: سأحمل الضعف وأنتِ قومي بحمل 3 منها ولا تناقشيني ستشكرينني لاحقا .

" كما لو أنني أجرؤ على معارضتك ! " أفصح قلبها الخاضع والذي لا يزال مستمرا في النبض بشغف.

قبلت عرضة وقامت بدورها في إرشاده وتنظيم الملفات في غرفة الأرشيف لتبقي مجموعة أخيرة تحتاج لتنظيم مختلف لتبدأ لجُين بالبحث ريثما نبيل يراقبها حاملا المجموعة الأخيرة حينما وجدت المكان الملائم حملت سلماً متوسط الحجم وتسلقته لتتولى عملية التنظيم و بصوتها المنهك أبلغته بمكانها: نبيل أيمكنك القدوم وإعطائي الملفات ، ستجدني في القسم الثاني بالجهة اليمني .

اتبع إرشاداتها وقام بتسليمها الملفات الواحدة تلو الأخرى وراقبها وهي تعيد ترتيبها مرة بعد أخرى حتى يسهل العثور عليها فيما بعد ، استغرق عمل ذلك ما يقارب الساعة مع هذا لم تتذمر مما جعل نبيل يشعر بعظمة إحساسها بالمسؤولية لذا لم يخطئ حينما قرر خطبتها فور انتهائهم من دمج الشركة .

مدت لجُين يدها لنبيل لتستلم الملف لتنظمه بجوار أشقائه ونظراتها لم تفارق الرف حتى لا تضيع موقعه الملائم قائلة: نبيل أعطني الملف لو سمحت .

تنبه نبيل لصوتها ليمد لها بالملف الثقيل نوعا ما محذرا إياها: كوني على حذر فهو قد يكون ثقيل عليكِ لذا ..

لم تكن تعَي كلمة مما يقوله لانغماسها في عملها لذا سحبت الملف من يده بخفة مما سبب خللاً في توازنها للثقل الحاصل، لم تستطع أن توازن جسدها بالوقت المناسب لتشعر بأنها تهوى للأسفل كبتت صرختها مرت لحظات ولم تسمع سوى صوت ارتطام الملف بالأرضية الرخامية وأنفاسها المتسارعة بخوف ؛ تعجبت عدم شعورها بالألم ولكنها أقنعت نفسها بأنه آتي لا محالة ، لتسمع صوت أنين منخفض لتفتح عينيها على مهل لترى بأنها في موقف محرج للغاية !

صرخت بصوت مختنق وحاولت أن تبعد جسدها الغض عنه إلا أن ذراعية اللتان تحيطان بخصرها منعاها من ذلك ، لتتحدث بصوت أقرب للبكاء: نبيل هل أنت بخير ؟

" أجننتَ ، كيف لك أن تفعل هذا سأكون بخير ليس وكأنما سأكسر ذراعي أو ما يشابهه !" 

سعَل بضعه مرات قبل أن يتحدث بعصبية وعيناه تقدحان غضبا: ألم أخبرك بأن تكوني حذرة ، لقد كان ثقيلا لذا بالطبع ستسقطين !

في تلك اللحظة أنزلق حجابها وتحررت خصلات شعرها العسلية ، وتجمعت غمامات منعتها من الرؤية إنها تتألم وخائفة للغاية لم يسبق لها بأن خضعت لتجربة كهذه ؛ ارتبك نبيل وخُرست الكلمات فقد بقي مأسورا بجمالها ، دموعها لم تترك له مجالا لإكمال عتابه كيف لا وقد شعر بقلبه يهوى معها حينما كادت أن ترتطم بالأرض !

اعتدل بجلسته ولا يزال ممسكا بها مسح بظاهر كفه دموعها ممازحا إياها: أعتقد بأن هذا ليس بالوقت الجيد لسؤالك إذا ما كان من المناسب التقدم لخطبتك ، صحيح ؟!

وقبل أن يبعدها رفع حجابها المتحرر عن كتفيها ووضعه فوق رأسها، إنها تُسبب له اضطراب في خفقات قلبه يخشي أن يتهور فيما قد يقدم عليه لاحقا لكنه يعلم جيدا الحدود المسموحة بها وهذا أقصى حد سيعبره .

اتسعت عيناها دهشة من طلبه ، جفت حنجرتها وتأبي الكلمات أن تخرج بشكل صحيح تاركة دموعها تكمل مسيرتها على وجنتيها مما جعل موقفه أصعب بكثير لم يتوقع رد فعل كهذه ؛ أعاد شعره للوراء بحركة سريعة وأدار وجهه للجهة المقابلة قائلا: آسف ، لم أقصد إفزاعك ولكن كيف أصف لكِ الأمر ..

مدت يدها المرتجفة وأمسكت بقميصه لتتحدث بصوت مهتز ونغمة باكية: ماذا لو قلت بأني موافقة ؟

نهض بخفة مما جعلها تترك قميصه وتخفض نظراتها للأرض" لقد تسرعت بحديثها ماذا سيظن الآن بأنها مخبولة بكل تأكيد" قاطع سلسلة أفكارها وهو يقوم بجذبها من يدها لتستقيم مجددا قائلا بجرأة : إذن لا أجد مانعا من إخبارك بأني أجدك مميزه للغاية ، وأني أرغب بالارتباط بكِ قريبا جدا .

توقفت عن البكاء واحمرت خجلا ، وأبقت نظراتها على أصابعها المتراقصة فيما تحاول تهدئة قلبها الذي جن جنونه .

ألتقط نبيل الملف من الأرض ووضعه في مكانه الملائم وقام بإعادة السلم لمكانه وجميع ذلك تحت نظرات لجُين المرتبكة ، وقبل أن ينهي ما كان يفعله تنحنح قائلا : إذن سأنتظر ريثما ننهي عملية الدمج ثم بعد ذلك سأتقدم لكِ رسمياً .

وضعت راحة كفها على شفتيها لتمنع شهقاتها من الخروج للعلن وفضح أمرها، هل بدأت تحلم أحلام يقظة ؟!
استمرت قطرات نديه في ريِ حدائق وجنتيها النضرة بينما انتظرها نبيل حتى تستعيد هدوءها لم يكن يبعد عنها سوى بضعه خطوات مواجها للمخرج وظهره المستقيم مقابلا لها ، لم يشأ بأن يسبب لها الإحراج يكفيه ما حدث قبل قليل بداية من سقوطها لموجة الاعترافات المفاجئة .

*******

لم تكن قد استيقظت بشكل كامل بعد نوبة البكاء الذي خاضتها قبل ساعة مضت ، ليهيأ لها روية شادي واقفا أمامها ونظراته مليئة بالعتب والعجز ، حاولت أن تتحدث أن تخرج صوتها لتتفوه بكلمات محبوسة تنتظر الإفراج ولكنها بمجرد أن نطقت باسمه حتى أختفى كطيف سراب ووهم لا أكثر ولا أقل !

لقد بدأ عقلها يمارس الأعيبه بمهارة حتى يثبت لها مقدار جنوحها ، في قراراتها ورغباتها والأهم في هذا علاقاتها زمت شفتها السفلى قهراً فعملية الشفاء هذه قد استغرقت وقتا طويلا ، تلك الحلقة الناقصة تتعلق بشادي وإلا لما هنالك الكثير من الذكريات عنه ؟!

تنهدت بأسي بالغ فمهما كانت شدة رغبتها بأن تعود طبيعيه ،إلا أن الأمور لا تسير وفق هواها تقدمت نحو مرآة تناهز طولها ببضعة سنتيمترات قد وضعتها بجوار خزانة ملابسها وقامت فك أزرار كنزتها القطنية ونزعه عنها بكل هدوء تحتاج أن تقييم حالتها كل فترة ، بل كيف ستقوم بمواجهه شادي بمثل هذا الجسد !

لمست بأصابعها المرتعشة أطراف ندبتها الممتدة من كتفها الأيمن ، بداية من عظمة الترقوة إلى الجزء العلوي من عظم الكتف وقد حظي باتساع يصل لجزء من صدرها العلوي ، بالرغم من أنها تخفيه جيدا تحت كنزه طويلة إلا أن الاحساس بوجوده لا يختفي ، تتألم من النظر إليه كل مرة ؛وتخشي من نظرات البقية إليه كيف ولا وتلك النظرات تحمل تساؤلات لا تستطيع الإجابة عنها ولا حتى لنفسها!
هذه الندبة هي الشيء الوحيد الذي يربطها بحقيقة حدثت منذ وقت طويل ، ويربطها به الشخص الذي ضحي بحياته لأجلها هذا ما سمعته على أقل تقدير ولهذا فهي تحاول جاهدة بناء ثقتها بجسدها مجددا ولكنه صعب للغاية .

والآن هي موشكة على الزواج برجل تربطها معه ماضي لا تستطيع تذكره، ورغم محاولاتها بالابتعاد عن هذا الموضوع وتأجيله إلا أنها قد أوقعت نفسها في مشكلة لن يمكنها الفرار منها سالمة من العواقب .!

شعرت بموجة صداع تداهمها تفتك بخلايا رأسها، كما لو أنها تعيد إحياء جزء فُقد؛تقوم بإنعاشه مرة تلو الأخرى .

عقدت حاجبيها وأغمضت عيناها من شدة الألم ،تريد أن تمر هذه الموجة بسلام لا ترغب بتذكر أي شيء الآن لا تريد رؤية صورته ولا سماع صوته ، قلبها ليس متأهبا وعقلها في حالة يرثي لها، ولكنها سرعان ما وجدت نفسها في ذكرئ جديدة بالنسبة لها عنه ..
***

ابتسم ضاحكا بنغمة محببة لقلبها قائلا وسط ضحكاته: إنه ليس بهذا السوء حقا.

امتقع لونها احمراراً بعد ما حدث للتو ، وتوقفت عن الحك لتنظر إليه شرزاً: حسنا ، يمكنك التوقف ساعة تشاء.

توقف مبتسما وهو يداعب ذراعها على موضع الحساسية : لا تلقي للأمر بالاً ، يحدث ذلك غالباً لمعظم البشر إنها مجرد رد فعل .

أبعدت يده التي أطلقت شرارات كهربائية في ذراعها، وأخفت وجهها براحه كفيها فهي محرجة للغاية : كيف لي أن أنسي أمراً بهذه الأهمية ، إني أعاني من حساسية تجاه المكسرات ولقد تناولت للتو حلوى محشوة بها !

توقفت لبرهة تنظر لابتسامته العابثة ثم أكملت بفزع ظاهر : سوف أصبح كالبالون قريبا ويطغي اللون الأحمر على بشرتي، سوف تكرهني لهذا فمنظري شنيع جدا !

علت ضحكته مجددا مما جعل البعض يلتفت لهذا الثنائي السعيد بالمقهى ، لتحذره هي الأخرى بسبابتها كعلامة وعيد وتهديد : توقف وإلا سأغادر فالجميع يحدق بنا .

هدأ انفعاله منذ لحظة خلت وعلق عينيه بعينيها البندقيتين متابعا حديثه بصوت محب هادئ رخيم : أهذا ما يثير قلقك ، طريقة رؤيتي لكِ هي ما تثير حنقك وفزعك ؟!

تناول يدها واحتضنها داخل يده الضخمة الدافئة ثم طبع قبلة ناعمة سريعة قائلا وهو يعاود العبث بأصابعه على موضع الحساسية : من المستحيل أن تغير هذا الأشياء الثانوية نظرتي لكِ ، ما أحبه بكِ هو أبعد ما يكون عن المظاهر والأشياء الملموسة ، فأنا أحب غضبكَ ، ومزاحك ، ضحكتكَ وروحك العالية ، وأيضا ثقتكَ الهائلة بحبي لكِ .!
احمرت خجلا وأضاعت الاتصال البصري بينهما بالتحديق في فنجان قوتها تاركة له الحرية في فعل ما يشاء وقول ما يشاء فمقدرته على إضاعة ما يزعجها جدير بالثناء.
***

انتهت هذه اللحظة وشعرت بصداع يختفي شيئا فشيئا كما لو أن خلايا دماغها قد عاودت العمل بشكل طبيعي فتحت عينيها أمله برؤيته أمامها مجددا، ولكنها لم ترى سوى انعكاسها بالمرآة أحاطت جسدها بذراعيها هامسة بألم : لن تحبني هكذا ، لن يعجبك ما حل بي .!

مرت منذ تلك الأحداث 3 أسابيع في تنظيم دمج الشركتين بالإضافة لارتباط شادي وهَيا في نفس اليوم الذي تنتهي فيه عملية الانتقال .

كانت تحمل ما تحتاجه من أدوات الزينة وتضعه بالقرب من حقيبة متوسطة الحجم، فلم يبقي سوى أسبوعين حتى تصبح رسمياً زوجة لرئيس شركتهم المستقبلية من الواضح بأن والدها سيسلم أمور شركته كليا له فهذا هو الغرض من الزواج ولكن ما تزال تتساءل لما عرض شادي موضوع الزواج مجددا، في حين أنهما انفصلا قبلا ؟

قطع تسلسل أفكارها صوت لُجين المستاء ، لتتحدث معها بمرح : ماذا أتشتاقين لي منذ الآن ؟

أغلقت هاتفها المحمول بانزعاج واضح وتابعت الحديث بنفس الاستياء: لا بل ما يتداولونه في شبكات التواصل الاجتماعي ، لقد فاض بي الكيل من هذه الإشاعات فقد تجاوزت الحد المعقول ! 

قهقهت هَيا ضاحكة ويداها تعملان على تنظيم الحقيبة ، لتستمر لُجين وهي تطلق العنان 
لصوتها : ماذا !
لستِ أول فتاة ستتزوج برجل مطلق ، ولكنهم يجعلون الأمر بغاية الأهمية والإجحاف .

كقولهم " صفقة تجارية تكلل بالزواج ، ما السر ؟”

لم يتركوا شيئا إلا و تحدثوا عن خلفيته وعن وفاة والده وزواجه وانفصاله السريع الغير متوقع ونجاحه بعد الإفلاس !

" هكذا هم الصحافيون ، يعشقون الأخبار المليئة بالتفاصيل الغامضة " هدأت هَيا روع لُجين بهذه الكلمات دون أن تتفاعل معها يكفيها ما سمعته من أفراد عائلتها .

كتفت لُجين ذراعيها وهي تشاهد الهدوء الذي تمتلكه ابنه عمها قائلة بإعجاب : لديكِ قدرة مذهلة على التزام الصمت والمحافظة عل هدوءك بينما الكل في خضم معركة ما بين القيل والقال !

ابتسمت على كلمات المديح الصادرة من لُجين لتتذكر ما أخبرها به شادي في مرة من المرات " أما المجتمع لا يهمني بشيء البتة دعيهم يتحدثوا سرعان ما سيجدون حدثا جديدا لالتهامه ".
اقتربت لُجين من هَيا واتكأت بظهرها مستنده إياه لظهرها هامسة بحذر : هل أنتِ متأكدة من قرارك بالارتباط به؟

وأضافت كمن يذيع نشرة أخبار جوية " لقد تزوج قبلا ، وله خلفية سيئة بحسب الأقاويل المتناقلة ، ولا يسهل التعامل معه شخصيا" .

توقفت هَيا وأسندت ثقل جسدها على لُجين لتتحدث بصدق جلى : حسنا ، قد أكون صدمت بخبر زواجه الأول ولكنني على ثقة بأن له ظروفه ومسبباته فقد عانت والدته وقتا عصيبا بعد فقدانها لزوجها.

“وأما عن الأقاويل فهي تبالغ بوصفه كوحش ضاري إذ أننا في مجال عملنا لا مجال للتساهل والرقة وإلا الخسارة هي نصيبنا الأكبر “ 

“و شخصيته همم لسنا جميعنا ملائكة فنحن بشر نخطئ ونصيب لذا أرغب في خوض هذا الارتباط لأني أعلم تماما بأنه سيكون نعَم السند لوالدي “.

همهمت لُجين ثم ما لبثت أن بدأت تدندن نغمات موسيقية ، ثم شاركتها هَيا في التلحين بصوتها ليقضوا فترة ما بعد الظهيرة في الاسترخاء سوية وتوضيب الحقائب . 

بالنسبة لشادي لم تكن تلك الإشاعات لتسبب له الضيق أو الانزعاج ، لذا فقد كان سلسل في إنهاء ما تبقي من أمور الشركة وتقديم إعلان للصحافة حتى يتوقفوا على سرد المزيد من الأكاذيب في مؤتمر صحفي .

أنهي تجديد أثاث منزله في الأسبوع الماضي وقد نظم لشهر عسل في لندن وروما و فينيسيا ولم ينسي الذهاب لزيارة الطبيب على مدى أسبوعين للانتهاء من بعض الفحوصات والمشاورات الطبية وكانت هذه الزيارة هي الأخيرة .

بدأ باغلاق ازرار قميصة الكاكي اللون وألقي بنظرة مطولة على الطبيب وهو يدون بعض الملاحظات للعلاج كاد أن يتنهد ولكن سرعان ما تحدث الطبيب : تبدو جروحك جيدة ، إن ما كنا سنقوم بعملية ليزر لإزالة تلك العلامات فأظن أن الأمر سيستغرق 7 أشهر .

“ لابأس معي فهذه الأشياء لا تؤثر بي مطلقا ولكنها ترمز للماضي لذا أرغب بالتخلص منها رجاءاً “ 
“ حسنا ، علاجك سيحدد حين تكون جاهزا لهذه الخطوة ، ولكن ماذا عن زوجتك ؟”

نهض عن كرسيه وعلامات القلق اسبتدت بملامحه الجذابة “ ليس الآن ، لأنها لا تعلم ما علاقتي بها فكيف أخبرها عن شيء شخصي وحميمي للغاية ، إن الوقت مبكر ! “

هز الطبيب رأسه بتفهم “ أدرك هذا لقد كنت المسؤول عن حالتكما وقد رفضتما حينها القيام بهذه الخطوة سابقا لنأمل أن تكون حالتها قد تحسنت “ 

انهي شادي الحديث المطول عن ذكريات يُفترض بها أن تكون مدفونة تحت مئات الأطنان من الذكريات والأحاسيس ولكنها تعود لتطفو ويبقي مُلزما بوعد قطعه حينها للُجين ، وعد سيجعله أخرسا لو اضطر لذلك ، وبهذا لم يبقي سوى اتمام الارتباط بعقد النكاح حتى يُحرر من وعده .

سعَلت بضعه مرات مما سبب لها ألما حاداً بحنجرتها، لتتبعه بكوب ماء عله بذلك يسكن لفترة من الزمن لا تزال ترغب بقضاء مزيد من الوقت برفقه حفيدها ورؤيته على الأقل برفقة فتاة صالحة ترعاه من بعدها، تناولت أقراص دوائها الموصوفة لها منذ فترة وجيزة وألقت نظرة شاملة قبل بلعها لقد تضاعفت الكمية مما يدل على سوء مرضها بهذه المرحلة !

لم تعترض لمشيئة الرب فقد عاشت لفترة طويلة ورأت حفيدها نبيل يكبر بطريقة جيده ، وهاهو الآن موشك على الارتباط وما عليها سوى توثيق هذا الارتباط قبل أن يحدث الأسوأ ؛ طَرق الباب بهدوء لتسارع في إخفاء اشرطة أدويتها والإجابة بكل هدوء : يمكنك الدخول .

دلف كعادته مبتسما وهو يحمل بيده علبة تضم قطع متعددة من الكعك قائلا : ما رأيك بتناول الكعك مع القهوة ونقضي فترة المساء في مشاهدة فيلم أحضرته معي . 

ألقت عليه بنظرة متوجسة ثم تساءلت عن نوعية الفيلم الذي أحضره ، ليجيبها وهو يُجاهد ضحكته : من الأفلام القديمة ذات الطابع الدرامي كما تحبينه .

حل ستار الليل الهادئ ونسائمه الباردة وما تزال لُجين تساعد هَيا في تنظيم حقائبها ، وبعد فترة من الوقت أطلقت تنهيدة راحة قائلة: ذكريني بأن لا أقوم بشراء العديد من الحاجيات عندما أتزوج .!

قهقهت هَيا ضاحكة وأكملت قائلة: إنه أمر بسيط ، ولكن لا تدعي والدتك تبالغ كما فعلت والدتي .

ابتسمت وهي تتخيل موقفها في منع والدتها من المبالغة ولكنها تفشل المرة تلو الأخرى لتتابع باستسلام : أخشي بأنك ستقومين بمعاونتي في توضيب حاجياتي فوالدتي لن تتهاون مطلقا !

لتضحك هَيا من التصريح البليغ وتشاركها لُجين سعادتها، تأخر الوقت وانتصف الليل والفتاتان تشهدان فيلم سهرة ملئ بالإثارة والخيال العلمي وبين الفاصل الإعلاني وتمدد لُجين من الجلوس لوقت طويل أطلقت هَيا العنان لفضولها حول موضوع نبيل قائلة : إذا لم تخبريني بالحاصل مع نبيل ، فبعد حادثة مخزن الأرشيف لم أسمع أي جديد؟.

تكورت لُجين بجوار ابنه عمها صديقتها المفضلة وتدثرت بالغطاء الرقيق قائلة بهمس: لا جديد حاليا، لقد تقابلنا مرة خلال الأسبوع الماضي وتبادلنا أخبارنا في المقهى وحسب .

أسندت هَيا رأسها برأس لُجين متابعة حديثها بنغمة هادئة : لابد من أنك مشتاقة له ، بالرغم من كل شيء فقد اعترف برغبته بالارتباط بكَ ، وهذا ما يدل على جديته حول علاقتكما؛ هل أخبرتِ عمتي بالأمر ؟

هزت رأسها نافية وفضلت الصمت على الحديث ، لا يزال من المبكر اعتبار الأمر قد أنجز في حين أن الشركة قد قاربت على اتمام بقية المعاملات النهائية .

لاحظت هَيا هاتف لُجين وهو يستمر بالوميض ثم الخمود للسكون وما يظل يتكرر الحال كل بضعه دقائق لتتحدث بعجب ممزوج بالاستغراب : لُجين هل من المفترض أن يتصل بكِ أحد في هذه الساعة ؟

نهضت لُجين لتعدل من جلستها وهي تشاهد هاتفها يومض متحدثة والقلق يلتهم قلبها: لا فلقد أبلغت والدتي بمبيتي عندك ، ولا يجرؤ أيٍ كان على الإتصال بي في هذا الوقت المتأخر .

دفعتها هَيا على عجل لتجيب: لربما كان الأمر هاماً، حاولي أن تبقي هادئة حسنا .

هزت رأسها موافقة وألقت نظرة لشاشة هاتفها لترى تركيبة الأرقام ، وسرعان ما وجدت قلبها يجيب على اتصاله حتى قبل أن تفكر بسبب اتصاله : نبيل ، ما الأمر أأنت بخير؟

أتاها صوته المتعب والذي باغته الانهاك: لُجين ، أحتاج إلى أن أقابلك ، أحتاج لوجودك بقربي الآن !

كاد أن يصيبها الجنون وقلبها كان قد وقع في مصيدة الاضطراب الشديد، ولكنها حاولت أن تستوعب المشكلة التي حصلت له لتتابع بهدوء: أخبرني بالحاصل معك ، لا تقلق هنا الآن .

تحدث بصوت مرتبك ، قلق ، غير متزن نوعاما: لقد انهارت أمامي فجأة ، وحالتها الآن تسوء لم أستطع فعل شيء لها .. يخبرني الطبيب أنها في حالة حرجة ..!

صَمت لبضع دقائق ثم عاد يكمل : كنت أعلم بأنها متعبة وأن أدويتها الموصوفة بازدياد ولكن ..

حاولت قدر الإمكان جعل صوتها يبدوا ثابتا وقويا: لا بأس ، كن قويا سيحل الصباح قريبا وحينها سترى بأنها قد استعادت صحتها وعافيتها متأكدة بأن الأطباء قد أخبروك بأن حالتها مستقرة حاليا .

لم تتدخل هَيا بالموضوع بل فضلت أن تعطي لرفيقتها القليل من الخصوصية فتركتها لتنهي محادثتها، مستغلة الفرصة لتتجه نحو الصالة الداخلية حتى ترتاح لفترة وقد اصطحبت هاتفها الذكي برفقتها فهنالك رسائل تنتظر منها الإجابة .

تنهدت وهي تنظر لأسئلتهم المستفزة ، حتى صديقاتها لم يرحمنها من نقل الإشاعات حول شادي لها إنها تعلم من يكون ؛ هو مختلف عما يكتبونه عنه رغم غموضه في هذه الفترة ولكنها متأكدة بأنه لا يزال الشخص ذاته الذي وقعت بحبه قبل 7 سنوات مضت .

استمرت لُجين في طمأنة نبيل وظل هو الأخر يخبرها عن أهميه جدته والتي هي بمثابة والدته وعما حدث في حياته بفضل الله ثم بوجودها وطالت المكالمة لتنتهي بوعد من لُجين بزيارته بالمستشفي قبل انطلاقها للعمل .

لم تكد هَيا أن تنتهي من إجابة تساؤلات صديقاتها ليصل لها عبر البريد الإلكتروني مقطع فيديو للمؤتمر الصحفي الذي أقامه في عصر هذا اليوم ، شاهدت الفيديو وراقبت انفعالاته وهدوئه حول الأسئلة المباغته ، وذكائه في الإدلال بإجابة غامضة غير واضحة المعالم لقد أثلج صدرها بطريقته في إخراس أفواههم ، أوقفت العرض وظلت تراقب ملامح وجهه الحادة وجاذبيته التي تجذب الناظرين لاحظت لون عينيه اللتان تميلان للبني القاتم وتذكرت في لحظة طوله الفارع مقارنة بطولها حينما تقابلا صدفة بمكتب والدها.

أعادت تشغيل العرض وإيقافه لمرات عدة ترغب بذكرى حديثه عنه ، أصبحت لا تجد السلوى إلا في ذكرياتها عنه رغم انفصالهما المؤلم ، ولكنها سترتبط معه بعد أسبوعين من الآن ستعيد ترتيب هذه الأحجية وتعيد بناء روابطهما المحطمة !

شعرت بالنوم يتسلل لجفني عينيها مُزينا لها الأحلام وباسطا نجوم الأماني المحققة ، لذة ناعمة ومعزوفة بدأت تتناغم مع حلمها لتغرق بهدوء في اللاوعي وترتخي أطراف جسدها مما تسبب في وقوع هاتفها النقال مصدرا صوت تحطم ؛ كذلك اليوم الذي حُطمت فيه أمنياتها وتركت خواءاً جديدا لتملئه .!

في عمق سباتها تردد صدى ، سبب لها مزيجا من القلق والألم ليتناهى لأذنها صوته المختنق مناديا باسمها 
" هَيا ، أجيبيني ، بحق الله استيقظي ! “

ثم عاد صارخا بصوت متحشرج من الدخان المنتشر:

“ هيا!! “

(5)


في عمق سباتها تردد صدى ، سبب لها مزيجا من القلق والألم ليتناهى لأذنها صوته المختنق مناديا باسمها 
" هَيا ، أجيبيني ، بحق الله استيقظي ! “

تشعر بالحرارة تستعر ملتهمة كتفها ، وبيد تهزها بقوة ولكن ما كان أشد هو رائحة الخشب المحترق الجاثم على صدرها لتسعل بشدة قبل أن تفتح عينيها بصعوبة فالرؤية لم تكن متاحة بسبب السحب السوداء .

حاولت أن تستعلم ملامح المنادى ولكن بدون جدوى ، فقد كان يرتدي قطعه قماش تغطي نصف وجهه تشبثت به فيما كان يساندها على الوقوف متحدثا بصوت عالٍ " علينا الخروج من هنا، المكان يحترق بسرعة غير معقولة .! “

هزت رأسها إيجابا وحاولت أن تخطو بضع خطوات بمساندته ولكن قدماها أعلنتا المعارضة ، وانهارت مجددا على الأرضية الساخنة برمادها الأسود ؛ صرخ فزعا واحتضنها مبعدا عنها السقف المتهاوى ليرتطم بظهره، ليئن بألم ويسكَن لدقائق حتى يعاود النهوض حاملا إياها بين ذراعية ، حاولت أن تصرخ و تبعده عنها لتقدر حجم إصابته ولكنه تجاهل موضع ألمه واستمر نحو المخرج المؤصد .!

صرخت به لينجو بحياته، ولكنه تجاهلها لتعاود لتصرخ باسم غادر ذاكرتها !

xxxxxxxxxxxx 

شعرت بيد حانية تهز كتفها، وصوت رقيق ينادى بهمس : هيا ، استفيقي،لقد تأخر الوقت لا يمكنك النوم هنا!

قاومت رغبتها الشديدة في النوم لدقيقة إضافية، لتجيب على المنادى بصوت متعب:ما الأمر ، لا يضر النوم بشيء.

أعاد الصوت الحديث بنغمة ناهية: لا أتحدث عن ممانعتي للنوم، بل بمكان نومك ستؤذين ظهرك بهذه الطريقة .
لم تستطع هيا استرجاع موقع نومها، إلى أن تحسست بيدها قماش الصوفا الذي يخالف نعومة سريرها الوثير، اعتدلت بجلستها مغمضة العينين، تحافظ على المتبقي من تلك اللذة الهاربة، لم تتحدث واتجهت لغرفتها التي تحفظ طريقها وما يصادفها فيه كخطوط راحة كفها.

ليخاطبها الصوت قائلا " سألحق بك بعد قليل، حاولي أن لا تتعثري أثناء سيرك الأعمى هذا" .

لم تأبه كثيرا للحديث الذي وجهه لها ، وأسرعت في الاستلقاء والغرق في موجة جديدة، ليتردد مجددا صوت تحطم صاخب مترددا في جَنبات عقلها، تارة صوت تهاوى قطع من الأخشاب وتصادمها بالأرض، وتارة أخرى أصوات لتحطم زجاج كمفرقعات نارية، تتالت الأصوات بحيث لم تعد تستطيع تميزه بشكل جيد واختلط بهذا كله تلك الرائحة الخانقة التي جثت على صدرها تكتم بها أنفاسها القليلة، وحرارة متزايده تحيط بجسدها وكأنما وقعت داخل ألسنة من اللهب !.

استيقظت بشهقة عالية تحاول التقاط الهواء لصدرها، افزع تصرفها لُجين المستلقية بجوارها لتتساءل بخوف: هَيا ما الأمر؟ هل راودتكِ كوابيس مفزعة ؟!

نضخ جبينها بحبيبات من العرق، وصوت أنفاسها المتلاحقة حجبها عن إلاجابة، ماهي إلا لحظات حتى بدأت تجول بنظرها حول المكان باحثة عن شيء خفي، جذبت لجُين رسغ هَيا قائلة: ما الأمر؟

هزت رأسها بصمت، وبقيت تحدق في الفراغ الجاثم أمامها، آمله بأن يترأى ما حدث في حلمها في تلك البقعة السوداء، أن يعرض كشريط سينمائي معاد ولكن لا فائدة ترجي فكلما حاولت باغتها صداع مصدرا نشيجا حادا داخل جمجمتها.!

باغتها سؤال لجين القلق مجددا: أانتِ بخير حقا، يبدوا كما لو أنكِ شاهدتِ شبحا !

توترت للحظات وما عادت قادرة على الإجابة عن سؤال لا تعرف ماهية جوابه، هزت رأسها ونزعت الغطاء عن جسدها لتستفرد بنفسها في الطابق السفلي، التفتت بخفة نحو لُجين وطمئنتها قائلة : سأذهب لشرب كأس من الماء لن أتأخر .

تخطت درجات السلالم بقفزات سريعة عابرة الدرجة بدرجتين، وقبل أن تتوجه للمطبخ تذكرت سقوط هاتفها في مكان نومها الغير اعتيادي ، ألقت بنظراتها تتفحص المكان لتجد جزء ظاهر من هاتفها تحت الصوفا ، لم تستغرق الكثير من الوقت لانتشاله والمرور بالمطبخ، ملأت لها كوبا من الماء يرافقه قطع من الثلج وأفرغته بجوفها على دفعات برغبة منها لإسكات الفزع الذي لا يزال مستعمرا بداخلها .

أضاءت شاشة هاتفها معلنة عن وصول رسالة، ظلت حائرة لفترة زمنية قصيرة فمن سيهاتفها الآن والوقت قد تخطى الواحدة فجرا بقليل؛ تجاهلت وصولها فهي ليست بحاجة لما يعكر صفو هذه اللحظة الهادئة بعد .

بالعودة لنبيل كان لا يزال محتضنا راحة يد جدته اليمني بين كفيه، الآمه رؤيته تلك الأسلاك الموصلة وحقن التغذية وصوت جهاز النبضات الذي تجعل اعصابه في توتر دائم ، تساءل عم يفعله والده في حين أن صلة القرابة الوحيدة المتبقية من عائلته تنازع الموت!

تخبطت العديد من الافكار في رأسه، في حين مباغته النوم لجفني عينيه، إنه مرهق فلم يذق طعما للراحة منذ فجر هذا الأمس والآن سيأتي فجر جديد وهو لا يعلم إن كان سيحمل بين طياته عمرا آخر لوالدته أم إنها الختام لرحلة قضتها بالعناية به ؟!

xxxxxxxxxxxx

أنهت هَيا في دقائق شرب الماء المثلج، بعد صراع داخلي طويل حول ذكرياتها المشتتة، ثم ما لبث هاتفها الذكي أن أطلق نغمة منبهة تتلوها أخرى ، وكما لو أن جهاز إنذار قد أطلق تتالت النغمات لما يقارب نصف ثانية لتنظر هَيا بفزع لشاشتها لتجد حوالي 40 رسالة ، لم تتواني في فتح جهازها لتجد بأنها قد أدرجت ضمن قائمة محادثات قد أنشئت من قِبل إحدى صديقاتها التي قطعت صلتها بها منذ فترة الدراسة ، لم تصدق تلك الكلمات التي لاحت أمام ناظريها .

لا أصدق بأنها سترتبط به مجدداً ، بعد كل ما حدث بسببه ! =( 

نظرا لما حدث ، فمن المستحسن الآ يتركها مرة أخرى ، لقد عانت باتخاذها قرار الإنفصال .. = - =

أصحيح بأنها لا تتذكر شادي ! 
مجرد سماعي بذلك يجعلني أشعر بالآسى لأجله ، يناضل في سبيل ارتباط شبة فاشل للمرة الثانية وهي لا تتذكر الساعات التي كانا يقضيانها سويا !! ^*^

حسنا ، يكفي هذا ، لكلاً منهما أسبابه الخاصة تتالت الأحداث من تخرج وفقدانه لوالده وسفر هَيا أخيرا .

لحظة ، أليس من المفترض أن يبقي الأمر بعيدا عنها ، عليكم بتهنئتها وليس محاولة تذكيرها بماضي منسي ، فعلا يالكن من رفقة .! ¬ _ ¬

لم تصدق هَيا بأن أخبارها منتشرة بهذا القدر فلا خصوصية تحظي بها، وكأن حياتها سبق صحفي على الجميع التحدث عنه !
أسرعت بالنقر على أزرار الشاشة لترسل ما يعتل صدرها من قلق .
مهلا ، كيف لكنْ أن تعلموا بهذا كله ؟ 
من أخبركن بهذا !؟؟ 
برزت أمامها اعلان عن الكتابة typing …. ، واستغرقت الدقائق دهرا كاملا و أمام ناظريها صعقتها تلك الكلمات التي أبت أن تستقر، لتتمكن من استيعابها بشكل جيد !
- اعتذر بالنيابة عن الفتيات ، لم يقصدن سوءاً ولكن لأخبرك الحقيقة لدى الجميع علم ولا يمكن إعتباره سراً وإن جاز لي القول فإن لدى لُجين إجابات أسئلتك تلك ..

xxxxxxxxxxxx*

حينما اشرقت خيوط الشمس الأولى لم تكن هَيا قد حظيت، بنوم مريح فقد استغرقت في التفكير وجمع التفاصيل المبهمة من حياتها في السنوات الماضية،لكن فكرة أن للجين خلفية عن الموضوع وتقوم بالتستر عليه فهذا كثير !
رفيقتها منذ الصغر تخفي سراً يخصها وتلتزم الصمت بشأنه , ولكن لماذا لُجين ؟
نفضت كل تلك الأفكار، لن تصبح محطمة الآن لديها ما تحتاجه ، وبقليل من الصبر ستنجح في حل معضلتها .

استفاقت لُجين من نومها المتقطع، وجالت ببصرها الغرفة تبحث عن هَيا لكنها وكما ظنت لم تجدها تعلم يقينا بأنها ستكون في موقف حرج، إذا ما تابعت التستر عن الأمر ولكنها مضطرة بل بمعنى أدق مجبرة ، فكلمة واحدة قد تؤدى لكارثة هي ليست مخولة بالحديث لأنها تملك نصف الحقيقة ، ولكنها ليست بالحقيقة الجميلة، منذ متى كانت الحقائق تسعدنا ؟!

تنهدت مطولا قبل أن تغادر السرير، وتبدأ في ترتيب الغرفة التي تعمها الفوضى وبجدولة مواعيدها لليوم هنالك الكثير الذي ينتظر أن يتم إنجازه والقلق حول التفاصيل الصغيرة ليست من ضمن خططها .

xxxxxxxxxxxx*
لم تطل لُجين في تحضير نفسها ليومها الطويل نسبيا، وقررت في غمرة قلقها أن تنتظر هَيا ،لتقوم بإيصالها للشركة فالمقرر عودتها اليوم لإنهاء المعاملات المتبقية التي تقع تحت يديها ، وبينما هي تنتظرها في غرفة الطعام يُعاود هاتفها الرنين للمرة الثالثة على التوالي ، تَدرك حاجة نبيل إليها ولكنها مضطرة لتجاهله قليلا لتتم واجباتها كصديقة وكفرد من العائلة ، قبل أن تكون حبيبة أحدهم !

ولم تكَن هَيا أقل اضطرابا من لُجين ، تعلم تماما حاجتها الماسة لمقابلة شادي ووضع حد لهذا الأمر، إلى متى سيزعم عدم معرفته بها ؟ بل إلى أي حد قد يصل به النكران ؟

هنالك جزء ناقص يمتلكه شادي ، وحقيقة تقبع لدى لُجين لكن أياً منهما مستعد للإفصاح أولاً ؛ هنا يكمن السؤال !

أنهت في بضع دقائق ترتيب هندامها ، وأسرعت للحاق بلُجين غير آبه لتلك الندبة التي سرعان ما نقرت أجراس عقلها حول ما سيحدث لاحقاً إذ ما اكتشف شادي الأمر.

خارج رواق المشفي كان نبيل يتلقى سيلاً من المعلومات حول الحالة الطبية ، التي تختص بحالة جدته ، لم يكن نبيل في حالة جيدة لاستيعاب كل ما يقال له ولكنه اضطر لذلك، وحينما انتهي النقاش تهالك جسده على أقرب مقعد عثر عليه، ألقي نظرة خاطفة على هاتفه الذكي عله يجد رسالة ، أو مكالمة يزيح بها قلقه المتزايد ولم يجد سوى تذكير بموعد تسليم التقاير الأسبوعية لشادي .

لم تجَد هَيا في نفسها الحائرة ، القدرة على العمل بفاعلية كما تفعل دائما فتدفق الأسئلة لم يتوقف منذ ليلة البارحة ، كيف للجميع أن يمتلك المعرفة بتفاصيل ماضية لا تتذكرها ويتحدث البقية عنها بكل شغف !

حازمة أمرها وتقرر بلحظة انفعال ، أن تتواصل مع شادي عله يطمئن قلبها فليس من العدل الآ يخبرها بجزئه من القصة ، وهو المعنى بالأمر منذ البداية .

ظلت لُجين متجاهلة حاجتها الملحة للقاء نبيل ، والإسراع لمساندته بمحنته ، فعملها الآن يحتل المرتبة الأولى وقلبها تاليا ، ولا ضرورة لها في التخلي عن العمل الموكل لها فما سيحتاجه العمل هو بضع أوامر وقليل من الخطابات وتصبح حرة لفعل ما ترغب به كطائر يُفرج عنه .

أشار عقرب الساعة للعاشرة معلنا نهاية الانتظار الحثيث ، لتبدأ هَيا بحزم ملفاتها التي ما كادت تنهيها لتمررها للبقية ، أبلغت الموظفين المسؤولين عن التغيرات التي قامت بتحديثها وأنطلقت تحث الخطى نحو السيارة التي سوف تُقلها لشركة السالم .

مشاعر مختلطة تراودها والرغبة العارمة التي تكبحها للغوص في عناق طويل بين ذراعيه ،بشكل غريب ترافقها رغبة منذ مساء الأمس في توجية بضعة لكمات لصاحب المعاملة الرسمية ، لإصراره على النكران المثير للجدل!

حين وصولها ألقت بنظرة متوجسة نحو ساعتها المشيرة للعاشرة والنصف، ثم نحو الموظفين الذين تجمدوا في أماكنهم حين تعرفوا على صاحبة الوجه القلق ، والاطلالة المشرقة التي تناقض حالتها النفسية ، أقتربت من منضد الاستقبال وبلهجة لا تلخو من الأمر الطفيف " أرشديني نحو مكتب شادي " .

لم يكن شادي مستعدا لمقابلة خطيبته المستقبلية بعد وهو بصدد انهاء بقية الإجراءات المتبعة للدمج، كان جُل تفكيره هو في كيفية التعامل مع المستجدات الحديثة مع الصحافة والشائعات التي تتناقل بين موظفية ؛ إذ أن محاولاته لا تزيد إلا النار اشتعالا وعليه إيجاد طريقة لإخمادها ، ومقولة لا دخان بلا نار تثبت صحتها بفعالية تامة في موقفه !

طُرق الباب ليسمع بعدها صوته ويتبعه نقرات حذائها وهي تقترب من مكتبه ، بينما نظراته مرتكزة على شاشة حاسوبه المحمول متابعا الأسهم والأخبار المهمة .

طال الصمت ليتعجب شادي من سكوت الموظفة التي طالبت بالأذن ، ليفاجأ بهَيا تبتسم بشفافية وهي تنظر له ، متحدثة قبل أن يتساءل عن سبب حضورها المفاجئ : لابد مني من القدوم حتى أثبت للجميع بأن ارتباطنا بات رسمياً ، ربما هذا سيوقف بعض المقولات المنتشرة.

استقام بخفة وابعَد ملامحه المتفاجئة ، ليبادلها ابتسامتها الجذابة ومرحبا بها للجلوس على الكرسي المقابل له بكياسة : اعتذر لابد من أنكِ منزعجة للغاية ، لا أزال أحاول قمع بعض الأخبار عن الصحافة لكنهم مصرون على معرفة جميع التفاصيل والأسباب .

نفت قائلة : لا تقلق لقد اعتدت الأمر ، بالمناسبة هل من اللائق أن أقوم بسؤالك عن شيء ما ؟

تشابكت أصابع يديه أمامه على سطح المكتب وشجعها بهز رأسه ، ركزت بحواسها وكل إدراكها على تقبله لما ستطرحه ، لتتحدث براحة : هل مازلت تذكر مزرعة والدي المحترقة ؟

لاحظت من قربها انتفاضة بسيطة صدرت منه ، ثم إرتخاءه على المقعد متسائلا هو الآخر: ولما السؤال عنها ، فكما سمعت بأنها محطمة وتمت مساواتها بالأرض .

" أجل ووالدي يفكر بإعادة بنائها وتقديمها لي كهدية لزواجي القريب منك " تابعت الحديث بسلاسة وكأنما كل كلمة تصدر من شفتيها تناهز الحقيقة في بشاعتها !

إنها كاذبة وتدرك ذلك ، لكن السؤال هو هل سيدرك الأمر ويتابع معها لعبتها أم يوقفها ويؤكد شكوكها في كلتا الحالتين هي المنتصرة ، ليأتيها الجواب مختصرا " لا ، لا يمكنه ذلك "

تعاقد حاجيبيها كما تكتفت قدماها الواحدة فوق الأخرى : لما ذلك ؟

ابتسم بشيطانية جعلت من قلبها المسكين ينبض بالدقيقة ألف مرة ، لقد اكتشفها بأقل من دقيقة ، توردت خداها خجلا من الموقف ظنت لوهلة بأنها منتصرة ولكنها مهزومة أمامه حتى قبل أن تبدأ المنافسة ، تأثيره عليها لايزال كما كان بالسابق إذن لما يكذب هو الآخر ؟

أجاب بعد نهوضه واقترابه منها بدرجه كافية ليهمس لها من الخلف بكلماته الرنانة : لأنني امتلك تلك الأرض . 

التفتت بخفة لتعترض وتُخَرج حجة جديدة ، ولكنها صُدمت بإلتقاء نظراتهما فقد كان القرب قاتلاً لم تستطع الإشاحة بنظرها بعيداً ، وهو الآخر ظل مسحوراً غارقا في لذة اللحظة ، طال انتظاره ليحصل على هذا القرب أن يعود ليستنشق عبق رائحتها ، أن لا يخشي لمسها أو يقلق من مسألة هروبها بعيداً عنه بحجة واهية كما حدث في الماضي ، لن يسمح لها بالابتعاد لن تنزلق من بين يديه كما حدث حينما كان غافلاً وأحمقا ، مرت دقيقة فقد كليهما فيها الاحساس بالزمن وفي غمرة غرقه في توقه وشغَفه بها مرر راحه اصبعيه على وجنتيها وصولا لفكها ثم زم شفتيه ، لقد فقد نفسه لوهلة هنا !

جَفُلت هَيا في لحظتها ثم ما لبثَت بأن هاجمها شعور الوحدة المقزز ، ترغب بالصراخ وإنهاء هذا اللغز الجاثم بينهما ، كيف لها أن تنهي الصراع ؟!

أن تبدأ من جديد دونما المساس بكبريائه ؟ ، كيف لها أن تبقيه قريبا ؟ ، أسئلة لا حصر لها بلا أجوبة عالقة في المساحة الفاصلة بينهما !.

وقبل أن تعود أصابعه لتحضتن الفراغ ، أمسكت براحة كفه لتبتسم بألم ودموعها المحبطة تتكاتف لتعلن عن معياد سقوطها الحر ؛ بسطت راحه كفه تحت مرأى نظراته المتسائلة المحتارة وقربتها ناحيه وجنتها اليمني لتصبح كوسادة تلقي بتعبها عليها ، ودموعها تستقر على أكمام بذلته ، هالة منظرها لم يعتد أن تكون حبيبته يائسة هكذا !

اقترب واضعا جبينه فوق جبهتها المائلة وأنفاسه المتسارعه تلفح وجنتها لتضرعها بالحمرة ، تَشعر بدفعه أدرينالين تتشعب داخل عروقها ، لقد افتقدت هذا الشعور ، هذه النبضات المليئة بالشغف .

وسط الهدوء بين حطامها ومحاولاته للخروج من حالة الغرق المؤقته ، أيقظه سؤالها بل أعاده لحالة التأهب التي كان عليه أن لا يخسرها " لما لا تُخبرنني بالحقيقة ، لما تزال تنكر معرفتنا ببعضنا البعض ؟! " .

كان قاسيا في ابتعاده عنها ، كمن تعرض للدغة من أفعي وفَضَل الهروب على البقاء وقتلها عاد لموقعه خلف مكتبه الهائل حماية لذاته ، لا يرغب بالعودة والتعرض لمغريات أكثر !

لا تزال تشعر بالمهانة ولكنها تحفظت وعادت لتنظر له بجدية رغما عن الدموع المقبلة على النضوخ رغما عن إرادتها ، أعادت مؤكدة على رغبتها بالحصول على إجابة " إذا ؟! "

لم يُجَب ، وكأنما رفضة يجب أن يكون واضحا من خلال هذا الصمت المطبق ، تلالأت عينيها بسبب تراكم دموعها لتصبح رؤيتها له مشوشة ، ضبابية ، كما هي حال ذكرياتها عنه ، نهضت حفاظا على بقية كبريائها كإمرأة !

لن تتوسل لمعرفة ما يمكنها إكتشافه بنفسها ، إن كان لديه تصميم على التزام الصمت ، فهي لديها خدع من نوع آخر وستنفذها فور ارتباطهما النهائي .

" لنرى حينها من سيسقط أولا ، قناعكَ أم عنادي ! " حدثت نفسها قائلة وهي تهَم بالخروج .

راقبها وهي تتوجه نحو الباب بخطوات واسعه ، أجل ، يعلم أنه بسكوته يجرحها ويصنع مسافة تبعدهما عن العودة لعلاقتهما السابقة ، ولكنه لا يستطيع أن يحطم ما حاول والدها إصلاحه ولن يفسد ما تبقي من علاقتهما وبالتأكيد لن يحطم وعوده !

حينما أُغَلق الباب إجَتاحته رغبة مُلحة باللحاق بها ومنعها ، للآن لا يزال عاجزاً مكبلاً بحقائق لا يمكن تجاهلها إذ أن عواقب فعلته ستكون وخيمة ، وهو لا يرغب بنتائج عكسية فالتحاول النبش بماضيها ولتحَاول أن تصنع مجهودا أكبر مما فعله حينها سيتعادلان وربما ، ربما ستعَلم ماهية شعوره طيلة السنين الفائتة 

xxxxxxxx

كان جهاز مقياس النبض لا يزال يصدر طنينا متتالياً والمحلول المغذي الموصول بأوردتها يستبدل بآخر حين انتهائه ، يدرك أنها في آخر لحظات حياتها وبأنها ستودعه في العاجل القريب كيف لا وهي تناهز في عمرها التسعين عاما بقليل ، وما أفصح عنه الطبيب لا يبشَر بالخير .

تضخمت مخاوفة واستبد به اليأس ، لقد عاد وحيداً مجددا ، وليس لديه أقرباء يعتمد عليهم في حال وفاة جدته ، والعالم بكثرة أعداده فهم كصفر يسار الخانة العددية !

تهادى صوت قلق لأذنيه منتشلاً إياه من غرقه المتواصل: نبيل ، هل يمكنني الدخول ؟

ترك راحه يدها واضعا إياها على السرير بعدما بقيت بين كفيه فترة طويلة يَبُث فيهما القليل من الدفء والكثير من الرجاء ، وبصوت خفيض لكيلآ يزعج جدته : أجل ، فلا أحد هنا على أي حال.

تباطأت في خطواتها لتشاهد إمرأة عجوز قد طغى الشيب على خصلات شعرها الطويل ، وملامحها المسالمة التي جار عليها الزمن تاركا التجاعيد دليلا على سطوته ونُحَلها الواضح من خلال أوردتها وشرايينها البارزة ، شعرت بالألفه فورا لم تكن غريبة تماما عنها ، تدرك مدى غرابة الأمر ولكنها واثقة من كونها قد أنشأت علاقة معرفة معها منذ زمن بعيد جداً !

اقتربت من ظهر نبيل المقوس ووضعت يدها على كتفه ، لتضغط بها عدة مرات كمساعدة في تهدئته ظل الصمت هو المسيطر قرابة ال 10 دقائق ثم ما لبث أن استقام نبيل بجلسته وأمسك بيده القربية يدها المرسأه على كتفه ، ليعانق أصابعها بقوة شعرت بها لُجين كمس كهربائي مما جعل عقلها يَغِيُب لثوانٍ معدودة في حالة خَدر لذيذ ، تدرك بأن الوقت غير ملائم ولكن ماذا تفعل إن كان لفعله هذا التأثير القوي عليها !

استعادت لُجين رباطة جأشها وتذكرت مكانه نبيل بالعمل ، لابد من أن شادي في طور البحث عنه ، أعادت ضغط اصابعها في عناقهما لجذب انتباهه ثم تحدثت بمهنية متمرسة : عليك إبلاغ شادي بالأمر ، وطلب إجازة ملحه !

هز رأسه ثم نهض بحركة آليه خالية من الحياة ، وقبل أن يترك يدها مسد ظاهره بإبهامه وكأنما يخبرها بحاجته إليها ، ابتسمت لُجين بخجل ووضعت يدها الحرة تأكيدا لما تقوله " أنا باقية ، انهي مكالمتك وعَد سريعا !"

خَرج تاركاً لُجين بصحبة عائلته ، لم تصدق لُجين كيف أن حياتهما تتماثلان بالشبة فهي وحيدة والدتها بعد تخلى والدها عنهما في أشد حالتهما بؤسا ، كان الانفصال قاسيا على والدتها تعَلم ذلك فكيف لها أن تُعيل طفلة بلا وظيفه ، بل لمَن تترك مهمة العناية بها فالشقيقة الوحيدة التي تملكها قد انفصلت عن زوجها وارتبطت بآخر يسكن بأقصى الكرة الأرضيه ، وشقيقها الأكبر يمر بأزمة مالية ومشاكل عديدة تحتاج للتروي لحلها ، ومع كل تلك الالتزامات ناضلت لتُبقي الابتسامة على وجه صغيرتها الملائكي ، شخصيتها وكل ماهي عليه آتي نتيجة تربية والدتها ؛ تنهدت زافرة ما يعتمل صدرها واقتربت لتجلس بمقعد نبيل الخاوي وتُلقي بنظراتها القلقة على الجسد المتهالك الموصول بالأجهزة المحيطة بها ، تجولت بعينيها قليلا في أرجاء الغرفة بينما تلك الأصابع النحيلة بارزة العروق تتحرك باحثه عن زر الاستداعاء دون فتح عينيها لقد اعتادت على رائحه المعقمات النفاذة لاحظت لُجين تلك الحركة البسيطة وبلا إدراك أمسكت بيدها متسائله بصوت رقيق " أخبريني بما تحتاجين ، وسأقوم بتنفيذه "

باغت الضوء حدقتي عينيها ضعيفتي الرؤية ليغضن جبينها في محاولة لاستعلام الزائرة الغريبة ثم ما لبثت أن رسمت ابتسامه عذبه من خلف قناع الأكسجين ، وبيد مهتزة حاولت الوصول إليه لانتزاعه حتي تتمكن من الحديث ، أسرعت لُجين بالتنفيذ بعد أن ادركت رغبتها وابعدته لأسفل ذقنها ، تحدثت بنغمة مليئة بالامتنان " شكراً لكِ ، هلآ قمتي بمناداة الممرضة صغيرتي "

هزت رأسها وتوجهت للخارج لقسم الاستقبال من الممرضين ، ليدلف حينها نبيل وعلامات الارهاق باديه على ملامحه الجديه لِيُبدلها بلحظة لابتسامه واسعه لرؤيتها مستيقظة ، ضم كفها بين راحه يديه يُقبِلُها ثم بحركه سريعه بدأ بضغط زر النداء ، همست بِنفسٍ ضعيف " أنا بخير حقا ، لا تقلق "

وأضافت بخفة " اتصل بوالدك ، واطلب حضوره العاجل من أميركا !" تردد بإجابة طلبها لتُصر قائلة " عليه أن يأتي ويستلم زمام الأمور قليلا ، ستحتاجة بل إني احتاجه فهنالك شيء أريد إخبارهُ به !"

" حسنا ، سأبحث عن اسمه في سجلات هاتفك ؛ عليكِ بالراحة الآن !"

بيد مهتزه اعادت وضع القناع لفترة من الوقت ، حتي تتسع رئتيها للحديث الذي ستلقيه على مسامع حفيدها ؛ تعلم يقينا بأنها ستؤذيه ولكن تلك الفتاة التي خطرت ببالها ستحتاجه لأنها ستصبح وحيدة مثله تماما لابد أنهما سيتلائمان وعلى تلك الفتاة التي اختارها الانصياع للقدر!

بعد دقيقة تحدثت والخوف يستعمر قلبها ، ماذا لو رفض طلبها ، وماذا لو اضطرت لإجباره كل ذلك يدور بخلدها وهي تنظر لعينيه الغائرتين من تأثير السهر " هنالك فتاة ، أرغب أن ترتبط بها بشكل عاجل !"

اتسعت عيناه دهشة من الطلب المفاجئ " ماذا !" 

أكملت بصوت متهدج : إنهم أقرباء لنا ، وكنت أرغب بخطبة ابنتهم قبل أن تستعرض طلبك لم أستطع الرفض بما أنها رغبتك الأولى ولكن تغيرت الأمور عزيزي ، أنا اسفه للغاية .

ابتلع غصة صعدت لحنجرته ، شعر وكأن خنجرا اخترق قلبه وأعاد تكرار الطعنه للمرة الثانية على التوالى ، ما بها السعادة لا تطرق بابه إلا لترحل بفاجعه !

همس ببحة متألمه " لا بأس ، سَتُنفذ رغباتك " 

حينها دلفت الممرضة بخفه تتفقد الاشارات الحيوية لمريضتها وبينما هي تستكمل عملها بنشاط أشارت لنبيل بالخروج قليلا حتي تنتهي من عملها ، تسابقت خطواته للهرب من هذه المحادثه عله يجد السلوان من لُجين ، وربما ، ربما الغفران .

بمجرد مروره من الباب للممر كانت تستند بطفوليه للحائط مبتسمة " من الجيد كونها بخير ، إذن هل أخذت إجازة من العمل ؟"

" إنها تَعلم ، من المؤكد بأنها سمعت مجرى الحديث " راودته هذه الفكره قبل أن يعود ويجيب على تساؤلها منذ ثانية مضت : أجل ، لقد تفهم الوضع وأخبرني أن أعود حالما تصبح أموري مستقرة .

مر بضعه أشخاص من الممر وأصوات المرضى تحيطهما ، هي لم تستطع أن تبقي ، وهو لم يستطع التحدث في فوضى كهذه ، ليقترح حلا مؤقتا " لنذهب لحديقة المستشفي قليلا "

" حسنا ، لا مانع لدى " تلفظت بتلك الجملة وعقلها يصارع بقرار من نوع آخر ، الفرار والغرق بين الوسائد لكتم صرخات عدة تعتمر صدرها .

تحت مظلة هائلة الحجم كانت تسترخي على المقعد ونظراتها المتسائله لم تفارق متابعة تحركات نبيل المقابل لها ، أجل تعترف بأنها تشعر بالحَمُق الشديد لكن المواجهة هي أفضل وسيلة تعلمتها وهي بحاجة ماسة للانتهاء من هذه الدراما لتتابع حياتها ، وإن كانت المظاهر خَادعه فابتسامتها هي أفضل طريقة حتي لا تظهر مقدار بؤسها حالياً .

حَثته قائلة " إذن ؟"

اضطربت أنفاسه وتكاتفت يديه في محاولة فاشلة في التقليل من عَظِيم المسألة إنه مجرد "ارتباط" ولا فرصة ليجتمعا تحت ظل هذه الظروف إنه يتمني حقا لو بإمكانه خلق ظروف مختلفة حتي تصبح من ملكه ، لقد وعدها والآن يخلف بذلك الوعد !

" لقد عَرضت على جدتي طلباً لا يحتمل كونه خياراً " توجهت نظراته لملامحها الصامدة وعينيها الغارقتين في بحر من الدموع " آهه إنها تَعلم بالفعل !" مرت تلك الخاطره سريعا قبل أن يجفل من تساقط دموعها والابتسامة لا تزال ترتسم على شفتيها النديتين .

" لُجين .. " كاد أن ينهض ليخفف عنها ، ولكنها استوقفته بإشارة منها وعادت تَمحي بأناملها المرتجفه دموعها الخائنة ، لم تستطع تخيله وهو يتزوج بأخرى مجنونة إن قَبلت بأمر كهذا !

بللت شفتيها بحركه سريعه وأضافت بتفهم " لا تفهم دموعي بشكل خاطئ ، لست أرثي حالي هنا بل أشفق عليكِ ، أنت من وُضع في موقف يَحمل مُرَ الخيارين إما سعادتك أو بَر جدتك في مرضها !"

تابعت بغض النظر عن موقفه تجاه ما تقوله " هنا لا تكتمل الحكايا كما نريد وبِت أعلم هذا بشكل واضح الآن ، لكننا سنجد السعادة في نهاية المطاف أنا متأكدة ، ولذلك لا تحزن نبيل ، لا تترك قلبك يغرق وروحك تهوى للقاع فلا تعود تذوق حلاوة الحياة !"

نهضت قبل أن يضيف جملاً تؤلم قلبها وتجعل من هذا الفراق مأساوياً ، وأثناء مغادرتها همست " وداعاً ، يا حباً لن أنساه !" 

اختفت عن انظاره كما اختفت دمعة سقطت هاربة لتتكاتف معها دمعه أخرى ، وأمسك بهاتفه يضغط على زر الاتصال برقم دولي عله ينهي هذا العذاب سريعا ..!

xxxxxxxx
في شركة السالمي وقبل انتهاء الدوام الرسمي رن هاتفه المحمول بشكل مقلق ، أراد الالتهاء عنه والتفكير بمقابلته التي سارت على نحو منذر للخطر ولكن الرنين لم يتوقف وعدد المكالمات الفائته بازدياد ؛ إرتاب وقرر المخاطرة والرد " أجل ، ماذا هنالك ؟"

" يؤسفني أن أعَلمك بهذا الخبر ، ولكن لأخذ الحيطة فحسب " توتر عضلات فكه ليستعَلم عن الخبر المستعجل " إذن أخبرني كُلي أذان صاغية " 

تعَجل الطرف المقابل في إنهاء المكالمه المسروقة " لقد فَر السجين رقم 309 ، وتم ٌعلان حالة الاستنفار " تجمد الدم في عروقه هاتفا برعب " ماذا قلت !!" 

(6)


دلفت هَيا لغرفتها بعد أن انهت تناول الغداء مع عائلتها لا تزال ترى أن في ذهابها لرؤيه شادي فرصة لإيجاد حل ، أو قطعه أحجيه تساعدها في إكمال الناقص من ذكرياتها ، لن يكون من السهل إقناعه هذا شيء أكيد !

تجاهلت تفكيرها المجهد حول ماضيها وقررت الخلود للنوم قبل أن تقوم بإضافه تحليلات غير منطقية ، لتنسل برشاقة بين وسائدها الزغبيه وفرشها الوثير ولم يمضي الكثير حتي بدأت تَحلم .

xxxx*

أمسك شخص لا تتبين ملامح وجهه بذراعها بقوة ألمتها ودفعت الدموع لعينيها قائلا بنغمة وقحة مفعمة بالتملك : أنتِ لي ، لا يمكنك الزواج به !

حاولت انتزاع ذراعها من بين يده ولكن بلا فائده ، صفعتها تلك الكلمات الواثقه في حين زمجرت بعصبية نادرة : دعني ، لا يحق لك لمسي ، أو حتي مخاطبتي هكذا !
خطبتي لشادي ستكون رسمية قريبا وهو الشخص الوحيد الذي سأرتبط به .

تحدث مجددا بنغمة عاليه النبرة وغضبه بازدياد : إياكِ ، لا تظني لوهلة بأني سأدعك تعيشين أحلامك الوردية ، سأحرص على تدميره قبل أن يفكَر بالارتباط بك !

عقدت حاجبيها باستنكار بينما انتقل الألم مضاعفا لجهاز الاحساس لديها : دعني ، إنك تؤلمني !

ضحك الآخر بطريقة أقرب للجنون قائلا بوعيد : إن لم ترفضي الأمر وتنهي هذه المهزلة ، سأحرص على إفلاس شركة والده وبذلك سيرفض والدك حتما ، واسم الشركة سيتلطخ بسمعه سيئة للغاية حينها أود أن ارى كيف ستنجحان في إتمام الخطبة وتبعاتها .

اتسعت عيناها دهشة وتحجرت دموعها بل إن الكلمات اختنقت بحنجرتها لتنطق بغضب عارم 
" أيها الحقير ، كيف يمكنك فعل ذلك ، ما دخلك بكل هذا !"

ابتسم بخُبث واقترب منها بشكل ينم عن الخطر هامسا بحفيف مزعج " لأنني أحببتك أولا ، ولأنه شخص مُعتد بنفسه إن ظن لثانية بأني سأتركه يفعل ما يشاء بك !" 

شعرت برجفه تتسلق عمودها الفقري وانتابها القلق بشأن شادي ، فما يقوله هذا المختل ليس بمزحة إطلاقا وكما أنه يعمل بذات المجال إذا لابد من له يداً مباشرة فيما يقوله !

تلاشى الحُلم بلحظات لِيحُل صدى صوت ، محادثة قد تبادرت لها بالآونه الأخيرة ، محادثة إنفصالهما !

"سأقوم بإخبار والدي بأني لا أريد الارتباط بك بعد الآن ، ونلغي أمر خطبتنا فعموما لا يعلم بهذا سوى والدك ووالدي لذا لن يصبح الموضوع مشبوها ..”

قاطعها بغضب وعيناه تقدحان شررا أصاب قلبها برجفة خوف: أتمزحين معي !
من المستحيل أن أقبل أمر كهذا ، أخبريني بسبب واضح يقنعني برغبتك بالانفصال .

"لم أعد أرى في قلبي ما يؤهلني للاستمرار معك ، بالإضافة لقد أتي شخص منذ فترة قريبة يرغب بخطبتي لذا .."

جملة أخرى أصابتها بالألم في مقتلع قلبها ، كيف لها أن ترضخ لمطالب ذلك المجنون وتقوم بهذا الانفصال الموجع ، بل كيف سيتقبل شادي الأمر !

إنها تخونه بكل ما للكملة من معني ولكن لأجله ، لأجل حمايته ووالده عليها أن تقاوم رغبتها بالبوحَ له بالحقيقة وإلا الانهيار التام لمستقبله بدونها .

أخرس بقية الحديث بضربة من كفه على طاولة المقهى لتتوجه الأنظار الفضولية نحوهما: كلمة أخرى وسأقوم بشيء قد اندم عليه لاحقا !

رنين هانفها اخترق صمت اللحظة لتجيب" أعلم لقد انتهيت سأعود فورا ."

تناهي لمسامعها صوته المنتشي بالنصر" جيد ، لا تحاولي التفكير في ممارسة خدعة جديدة يا حلوتي ، لقاؤنا التالي بمزرعه والدك أسرعي " .

xxxx*

تتالي الرنين مصدراً صوتا حادا كنغمة صارخة مستيقظة بفزع ، جبينها ينضخ بقطرات نديه بل إن جسدها بأكمله يرتعش !

بحثت عن هاتفها الذكي حتي تستعلم عن الوقت ولكن عيناها اتجهت لكمية المكالمات والرسائل القابعة بانتظارها منذ بُرهة ، لتجد عدة مكالمات من لُجين وما يقارب العشرين من رقم مجهول تجاهلت الاتصال الغريب ونهضت لتنتعش قليلاً ثم تعاود الاتصال ب لُجين .

تحت رشاش من المياه الدافئه هدأ جسدها وارتخت عضلاتها المتصلبة ، ياله من حُلم ، بل يالها من حقيقة مفجعه ، لقد تم الفصل بينهما من قِبل مختل !

والسر يقبع بتلك المزرعه المحترقة لابد من ذلك ، وإلا لما ذكر شادي أمر امتلاكه لمزرعه والدها بتلك السهولة حلقة الوصل المفقودة ابتدأت من هناك ، انتهت من استحمامها لتلتفت للمرآه المغطاه بطبقة من بخار الماء ، تناولت منشفة نظيفه ومسحت تلك الطبقة لتشاهد ندبتها البارزة تلمستها بأناملها تخط الحدود وتحفظ المعالم المجهولة ، قريبا جدا ستتذكر ما السبب القابع خلفها 

" لم يبقي سوى القليل " همست مشجعه لنفسها قبل أن تتهاوى في نوبة بكاء !

كان الكوب القابع أمامها شاغلها الوحيد لقد فرغت من البكاء ، لم تجفف خصلات شعرها الحرة بينما تسللت بضع قطرات متحررة لعنقها وصولا لنحرها مكونه بركة صغيرة ليجرى كنهر بعد إمتلائه ومنها ما أكمل طريقة لأسفل ظهرها ، لم تبالي ، فقدت الشعور بما حولها حتي برودة التكييف المركزي لم تصل لتنبه عقلها ، كانت ترتدي قميصا فضفاضاً يصل لفخذيها ملائما قوامها المتناسق آمله بأن يصل الهواء لرئتيها الُمختنقتين ، استفاقت من إغماءتها المؤقته وأيقظت هاتفها من سكونه لتعيد الاتصال ب لُجين فالأمر لا يَحتمل الانتظار لشروق يوم جديد وإن كان يَبعُد بضعه ساعات !

في الجهة المقابلة لم تكن لُجين بأحسن حالاً ، فعينيها قد تورمتا ونشيجها متقطع لا تزال تحاول الخلاص من الألم المتشعب بقلبها ، لقد انتهت علاقتها به ، لقد خسرت حبها الوحيد لأجل فتاة أخرى لا تعَلم بوجوده ، حتي وإن حاولت التمسك به فلن يَعود عليها ذلك سوى بالعذاب المضاعف ، إنها تحيا لأجله قلبها المعتل بحبه يصرخ طالبا جرعة إضافيه من قُربه .

اهتز هاتفها في محاولة لجذب انتباهها ، يومض في ثانية ويخبُت في الثانية التاليه ، لم تكن لُجين لتعبأ بأمر المتصل لولا الاسم الظاهر على الشاشه الملونه ، التقطته بخفه وأجابت بصوت مبحوح :
” وأخيرا ، كنت قد مللت من انتظار معاودتك للاتصال بي !"

تسائلت هيا وصوتها يعود لحالته الطبيعيه " ما الحاصل معك ؟ ، هل أصبتي بالانفلونزا ؟!"

نفت وصوتها يئن حزناً " بل فُطر قلبي اليوم ، لقد انفصلت عن نبيل "

خفق قلبها بشدة كما لو أنها تستعيد ذكرئ انفصالها هي الأخرى تحدثت بكلمات مقتضبة وهي تقفز من سريرها " سأصل لمنزلك خلال 20 دقيقة اتركي الباب الداخلي موارباً " 

هتفت لُجين بصدمة " ماذا ! ، لكن الوقت متأخر إن الساعة تشير للثانية بعد منتصف الليل !"

" لا اهتم ، افعلي ما أخبرتك به فحسب " اغلقت هاتفها وبدأت بعقص شعرها الذي استطال بالآونه الأخيرة وارتداء جينز أسود مع كنزتها الفضفاضة وقامت بشن غارة مفاجئه لسائقها المتذمر لينطلق بها بالحال !

xxxxxxxx

في ركن مظلم من شقته الفاخرة كان غارقا داخل آريكته يفكر بعمق ، كيف له أن يجده الآن !

ستحل كارثة قريبة ، وإن كان محقا فإنه يراقب تحركاتها حاليا ، منتظرا الفرصة المناسبة للإنقضاض على تلك الغافلة عما يحدث من حولها ؛ ستُقتل !

إن لم يَقم بفعل شيء ما فإنها ستموت في أقل من 48 ساعة ، ضغط بخفة على ازرار هاتفه وتحدث بصوت أجش " أرغب بمجموعه حرس شخصيين بكفاءة عالية ، أجل ، حوالي 20 شخص "

رد الطرف المعني بالأمر بصوت متفاجئ " هل هنالك موقع ترغب بحمايته ؟ "

رد بلا مبالاة منتظرا تؤكيد طلبه المستعجل " لا بل شخص واحد "

تحدث الطرف المقابل بصوت متهكم " دعني أحزر إنها فتاة ! ، إذن اعلمني أين ينبغي أن أوزع فرق الحراسه ؟"

اتسعت ابتسامته وهو يذكر المواقع ، وعيناه تنذران بالخطر مترقبا تلك الفريسة الهاربة ، لن يسمح له بالاقتراب شبرا واحدا حتي لو اضطر لحبسها في برج عاجي !

xxxxxxxx

في اقل من الوقت المحدد كانت هَيا قد وصلت لمنزل لُجين ، دلفت بعد أن اعلمت السائق بضرورة إخبار والديها عن مكان تواجدها ، أغلقت الباب من خلفها وتوجهت نحو غرفة لُجين في الطابق الثاني يسار السلالم ، طَرقت بهدوء متسائله " عزيزتي ، هل أستطيع الدخول "

اتاها صوتها المكبوت " أجل ، لا أصدق بأنكِ قد اتيتي فعلا !"

نزعت عباءتها وأسرعت باقتحام الغرفة المظلمة ذات البرودة العالية ، إن لم يكن تكييف منزلها قد أصاب عظامها بالتصلب فصقيع غرفتها هذه كفيل بفعل ذلك !

تجولت باحثه بعينيها عن صديقتها لتلاحظ كومة متحركه بجوار السرير ، اقتربت لتجلس القرفصاء بجوارها وبخفه اسندت رأسها على كتفها المهتزة .

همست هَيا برقة " أعَلم ، إنه يؤلم ، تكاد روحك تختنق والهواء لا يعود يصبح كافيا لرئيتيك ، وقلبك سيتوقف في مرحلة ما ، لابد له من أن يتوقف عن الاحساس! ، ولن يعود ذلك الألم موجودا "

ازداد نشيج لُجين وبُكائها لتتخلي عن احتضان ذاتها والغرق بحضن هَيا ، استسلمت الأخرى وتركت دموعها تشق طريقها وبقيت تُمسد خصلات شعرها هامسة بتكرار عَذب كلماتها الشبيه بالتهويدة 
" أعلم ، أعلم ، اخرجي ما بجعبتك ، البكاء يغسل كل شيء ، يغسل الخطايا والمشاعر !".

أشرقت خيوط الشمس الأولى ، وانطلقت العصافير مغردة ببهجه ، وقطرات الندى على الازهار المنتعشة ، كل تلك البدايات صاحبتها بداية جديدة لكلٍ منهما ، انسابت هَيا من الغرفه بعد أن تأكدت من استغراق لُجين في النوم لم يَغب عن بالها احتماليه بقائها طيلة اليوم حبيسة لغرفتها تشدو أنغاما لحب راحل !

اتجهت للمطبخ لتعد لها كوبا من القهوة وإذا بها تفاجأ بعمتها تحضر الفطور، تجمدت للحظة ثم ما لبثت أن عقدت حاجيبيها باستنكار " هَيا ! ، متى اتيتي ؟ "

فتحت إحدى الأدراج وتناولت كوبا كبيرا ثم خاطبت عمتها بإعتياديه " بالأمس ، تحديدا الثانية فجرا " 
اتسعت حدقتا عيني عمتها لتنهرها قائله " لا يمكنك فعل ذلك ، وماذا عن والديك ؟"

تثائبت ووضعت راحه كفها على شفتيها وتابعت تحضير كوب القهوة وهي تتجول بمهل، مُغيرة لهجة حديثها في ثانية " كان الأمر عاجلا ، وتركت ملاحظة مع السائق لذا لا تقلقي ، وأيضا لن تستيقظ لُجين مبكرا ، فهلآ أمكنك إخبار أبي بأننا لن نذهب للشركة ؟"

استرخت عمتها حينما بددت قلقها بحديثها ووافقت دونما اعتراض ،انهت هَيا تحضير قهوتها لتتجة بخفة لعمتها وتزرع قبلة على وجنتها وتهمس بخفة قبل أن تغادر " إنها بخير الآن " .

تنهدت والده لُجين تدرك المعني الحقيقي لتواجد هَيا الحالي ، إنها لُجين ، لطالما عانت صغيرتها من المشاكل بدءاً بالمضايقات في المدرسة وصولاً للتنمر وبما أنها تتحفظ عن إخبارها ، تصبح عاجزة عن القيام بأمر ما ، ولكن هَيا مختلفة فهي حفيظة أسرارها من تنقذها في أوقات الشدة حتى وإن كانت تقبع في مكان بعيد فإنها تسارع للبقاء بجوارها ، احتضنت العمة جسدها بعناق حار ليت شقيقتها فعلت المَثل ، ليتها فعَلت !

انتصف النهار ولاتزال لُجين تنعم بإغماءة مطوله ، ابتسمت هَيا لمنظرها الوديع وأكملت ارتشاف كوب قهوتها الرابع ، جسدها يناجي للراحة ولكن عقلها يعَمل عن ألف جهاز كمبيوتر مكتبي ، تلك الأحداث المتتالية لا تزال تُكرر في دوامه عليها أن تتذكر التوقيت الزمني ، لو فقط تتذكر لأمكنها حل جزء من اللغز ، يبدو أن لا مفر من مقابلة شادي للمرة الثانية ، ابتسامة رقيقة غزت شفتيها ، إنها مُترقبه !

في تلك الأثناء لم يكن شادي أقل انشغالا ، فقد انتهي تقريبا من عملية النقل والأوراق القانونية ؛ لم يبقي سوى الزفاف القابع بعد أسبوع من الآن ، ونصف موظفيه في إجازة حاليا نهض من مقعده الوثير واضعا يديه داخل جيوبه الفارغة وأطلق نظرة كئيبة نحو ناطحات السحاب متذكراً ما حدث بالأمس ، لقد أشعلت اللهيب في جسده لا يزال قلبه يخفق كلما تذكر مقدار قُربها ، لهفتها ونظراتها المؤنبة كسوط ملتهب !

زفر مطولاً وهو يعيد اتزانه لذاته ، سيتحكم بمشاعره لن يهفوا هذه المرة ، صوت طَرق انتشله من بين أفكاره ليجيب متعجبا من تواجد موظفيه للآن " تفضل "

تسابقت رائحه عطر نسائيه لتداعب أنفه ، تغضن جبينه وأخرج يديه من جيوبه لتتعكسان على صدره قبل أن يقوم بإلتفاتته صغيره وتكشيره تعلو وجهه الجذاب " لما عدتي مجددا ؟"

" لقضاء اليوم برفقتك ، تعَلم لم يتسنى لنا اللقاء بشكل جيد ، وزفافنا قريب ، لذا طرأ ببالي أن آتي ونقضي بعض الوقت في الدردشة قليلاً " أجابته بابتسامة كادت أن تصل لعينيها وذلك البريق الملتهب فيهما يزداد كلما أطال النظر فيهما .

كيف لا وقد أتت في أبهي حلة لديها ، هذه المرة ارتدت فستانا ربيعيا بدون أكمام يسترسل بنعومه موضحا تناسق خصرها ومتسعا للأسفل وكنزه مغزوله بإتقان بخيوط تلائمت مع ردائها ولكنه كان محتشما يخفي تلك الندوب ، وصولا لنحرها المزين بعقد يتوسطه شكل مغزلي من نغمة موسيقية وقليل من اللؤلو بأطرافه ، عنقها يهمس له بغوايه أن يقترب ليقبل ذلك الشريان النابض وشفتيها المنتكزتين بلمعه من مرطبها المفضل ذو نكهة الفراولة ، وأنفها الصغير وعينيها الساحرتين تُلقي بلعنتها المعتادة ولكن هذه المرة بجرعه إضافيه بعد أن خطهما الكُحَل لتزيد من اتساعهما !
و شعرها المعقوف بشكل جذاب وخصلاتها الهاربة تزيدها بهاءاً .

تدرك بأنها تعرض نفسها لموقف محرج ولكنها مجبرة ، لُجين في حالة صدمة عاطفية والشخص المتبقي في المعادلة هو الواقف أمامها ، تحتاج للقليل من المعلومات فحسب ، لقد سارعت في تحضير نفسها منذ عودتها للمنزل ولا يمكنها أن تترك فرصتها الثمينه تذهب أدراج الرياح !

راقبت تحديقه المطول ونظرات الإعجاب التي نطقت بها عينيه ، تعجبها تلك النظرات تشعر بالزهو لمعرفة مقدار تأثيرها الواضح رغم قلة ثقتها بمظهرها إلا أن المجازفة بهذا المقدار لا بأس به ، لاحظت ارتفاع تفاحه آدم وهبوطها مرات عدة لتزيد من فتنتها القاتلة بالاقتراب منه ، وضعت عباءتها المحظوظة بقربها جانبا وتابعت مسيرتها لتقف مواجهة له تتابع حديثها المقتضب " لم تطلب قط اللقاء بي ، رغم انشغالك بالسابق ولكنك الآن متفرغ بشكل جزئي " 

تحرك فكه المتصلب بهدوء دون نطق كلمه ، وهربت عيناه تبحث عن ملجأ مؤقت يشعر بكل خليه بجسده تصرخ لأجل عناق خانق طويل لا ينتهي سوى بتملكها ؛ هتف بحنق داخل عقله 
" هذه القطة الحمقاء ، لا تؤذي سوى نفسها الآ تدرك مدى حساسية موقفها !"

احتدت نظرات عينه بعد ان تجاهل كل الاشارات الصارخة ، ليتحدث بلا مبالاة " لأني لم أجد ذلك ضروريا ، لقد تقابلنا بالعمل مرات عدة تكفيني لأقرر من ستكون شريكة حياتي ." 

شعرت بتلك الجملة كصفعه بوجهها لتستَفيق على وجع آخر ، تحدثت بغيض " ولكنه لا يكفيني! الآ يحق لي أن أقضي بعض الوقت معك حتى نبعد اختلافاتنا ؟"

وببساطة أشار بسبابته المتحررة نحو مكتبه ، لتلاحقها نظراتها المتسائلة ، قائلا بسخرية مُبطنة " أعتقد بأن الهاتف يفي بالغرض ، وإلا لما كان اختراعه ثورة بعالم الاكتشافات !"

هتفت بصوت منخفض حياءاً " لست سَلعه للبيع ، حيث لا أملكت مشاعر تَخُصني !"

اقترب منها وصوته يطلق نذيرا لغضبه الموشك " إذن ، أخبريني ما سَر هذا التأنق ؟ ؛ إن لم تكوني سَلعه تُعرض !"

تراجعت خطوة كاتمة شهقة كادت أن تخرج من بين شفتيها ، لتصرخ قهرا " لست كذلك ! " 

همسة تسللت لتوقعها في شباك الغيرة ، " لأنك ستصبحين سلعته الجديدة !" ، هي تعلم بأن ذلك غير صحيح لقد أحبا بعضهما كثيرا ولكن زوجته السابقة ليال تُخل بإطار خيالاتها ، أكملت بغيض :
"ولا أرغب بأن اصدق ما تقوله تلك الشمطآء "

أسرعت بغلق أذنيها براحه كفيها وأغمضت عينيها بقسوة لا تريد سماع صوتها المزعج حاولت أن ترمي بحديثهم عَرض الحائط ولكن حديث ليال لا يزال يطن برأسها كخلية نحل منذ إعلان الخطبة كما لو أنها اعدت العتاد لإنهاء الارتباط بزرع قنابل موقوته تتحين موعد انفجارها والآن يبدوا الوقت مناسبا لتنهال الجمل متتالية .

" لا يجب عليك الثقة ، باستمرار زواجك المزيف منه لأنه سرعان ما يمل وسيجد أخرى تحل مكانك كما فعل معي !" 

وبضحكة مقززة تتابع غرز إبرها السامه قائلة " لم يسمح لي بلمس جسده ، بل إننا نملك غرفتين منفصلتين ، يعيش حياة منفردة ، نحن ظاهريا متزوجان وغرباء تحت سقف واحد ، حمقاء أنتِ لقبولك بمثل هذه الزيجيه ، في حالتك أنتِ ورقة رابحه ، إنه رجل خطر !" 

أفرج عن ذراعيه وزفر مطولا وأمسك بذقنها مُقربا إياها ناحيته وبصوت ثابت جهوري " هَيا "

فتحت عينيها والدهشة تعتريها ابعدت يديها على مهل ، امتلك حواسها بنطقه لاسمها مجرداً ، حُبست عينيها البندقيتين بقفص نظراته الغاضبة ، حاولت تحرير ذقنها من سطوة اصابعه التى أضرمت النيران بجسدها بعد مرور تيار كهربائي ولكنه أعاد إحكام سيطرته 
متابعا " لما تُعيرين للآخرين أُذنيك ؟ هم لن يعيشوا حياتك ، إن تحدثوا اليوم فسيصمتون غداً "

رغبت أن تؤمن بكلماته ولكن عوضا عن ذلك بدأت بقذف كل ما وجدته متاحاً دون اكتراث مطلق " وماذا عن ليال ؟ ، لقد عاشت معك لما يقارب السنتين ولم تتوقف عن الحديث عن مدى بشاعة العيش معك !"

زاد من قُربه لتختلط أنفاسهما معا ، كَمسكر لذيذ ، قاطعا لذته بتمرير اصابعه التى حررت ذقنها على طول فكها السفلي ذهابا وعودة عدة مرات قائلا بنغمة موبخة " لا تملكين الصلاحيات التي تخولك معرفه حياتي السابقة ، لذا كوني قطة وديعه واستمعي لي ."

اشتعلت الغيرة على الفور بعد سماعها لتك الكلمات ومن يتحدث عنها هي ليال ذاتها التي لم تبقي إشاعه لم تستحدثها بنسخة جديدة ، واتهامات باطلة لم تطلقها ، بل إنها أوصلت القضية للمحاكم العليا !

كادت أن تهرب موليه الأدبار ، خسرت مجددا ، ولكن صوته الآمر استوقفها فجأه بعد أن ارتدت عباءتها تأهُباً للفرار ، تَجُر أذيال خيبتها المتكررة ، لتلتفت له والغضب يَوقد من عينيها البندقيتين محولا إياه للون الكستنائي المحمر " انتظري ، من الآن وصاعدا سيرافقك اثنين من الحرس ، لن تغيبي عن أعينهم ولو لثانية ، الصحافة لا ترحَم أحدا قطتي !"

لم يكد يختم جملته بتلك الأحرف المتكهمة حتي دلف الحرس ببذلتهم السوداء وربطات عنقهم الموحدة ، وجهاز اللاسلكي المعلق بأذانهم ، ممتلئين بعضلاتهم وأجسادهم الطويلة ذات العرض المهول بالنسبة لحجمها ، تبدوا كفأرة وقعت بمصيدة لقطط بريه !

اضطربت بدقيقة ، ارادت الاعتراض ولكن ما فعلته سوى فتح فمها وإغلاقه مراراً دون جدوى لتزم شفتها السفلي وتصرخ هادرة " أنت غير معقول !" وتصفق الباب من خلفها .

مسد خصلات شعره بعصبيه بعد انتهاء ادعاءه المتقن ورد قائلا " المثَل لك قطتي ، شرسه كعادتك!”

(7)


في المستشفي بقسم الأشعه تحديدا كان نبيل بانتظار نتائج الفحص الخاص بجدته ، ونواقيس عقله تدق كل دقيقة مطالبة للراحة ، لم ينم جيدا والهالات السوداء تحت جُفني عينيه خير دليل ، يكفيه أن يغلق عينيه لبضع ساعات ثم يعاود مراقبته لجدته هذه هي حالته منذ 3 أيام مضت ، واخلاله بوعده للُجين لايزال يزيد من عذابه يشعر وكأن كتله ضخمة تجثم على صدره ، وبأن المحتوم آتي لا محالة ولكن متي ؟ هنا يقبع السؤال .!

" لما لا ترتاح لبعض الوقت ، سأبقي بجوارها ، ففي النهاية هي والدتي " حانت من نبيل التفاته بسيطة لتقع عينيه على رجل في أواخر عقده الثالث ، بجسد رياضي وطول متوسط ووجه بشوش وملامح متشابهة نوعا ما وشعر أسود مُزين بخصلتين او أربع من الشَيب ، كاد أن يتجاهل حضوره المزعج ولكنه أجاب برسمية 
" لا ، أُفضل البقاء بقربها على تركها لثانية واحدة !"

اقترب على مهل واتخذ المقعد المجاور مكانا له ، وتابع محاولا تَلطيف الأجواء المشحونه " إذن ما هي أحوالك بالعمل ؟ "

أجاب باقتضاب " جيده " ، بقي والده يحدق فيه لفترة من الزمن متحدثا براحة " لقد كبرت بشكل جيد ، هل من فتاة مميزة بحياتك ؟ "

زفر نبيل الهواء بضيق وتوجه لوالده بحديث مباشر بعد أن كان يتفادى الاحتكاك به " لقد فَقدت الحق في سؤالي منذ وقت طويل ،لقد نَبذتُماني وبدأتما بحياة جديدة لم تتواصلا معي ولو لمرة وكأن وجودي لا أساس له ، لذا لا تقم بوضع نَفسك في موقف محرج أبي ، فهذه الكلمة التي كنت لا أُطيق صبرا لأُناديك بها بهَتت فقدت بريقها حينما علمت سبب انفصالكما ، لك إحترامي وسَعه بالي وبِري بك وغير ذلك لا استطيع تقديمه لك .!"

اتسعت عينا والده من الاعتراف الصادم وبصوت متحشرج " تَعلم سبب انفصالنا ؟! "

ارتسمت شبه ابتسامه على شفتيه وعيناه تتفحصان ملامحه الفزعه " أجل ، إنه بسيط على كل حال ، الحَب من جعلك تتخلى عن عائلتك والسفر للإستقرار خارجاً .!"

" كيف ! " ، هز كتفه بلا مبالاة " البشر فضولييُن بطبعهم ، والأحاديث تنتقل بسرعه كانتقال النار في الهشيم ، حاولت جدتي إبقاء الأمر سراً ولكن فات الآوان ، بالمناسبة .."

تنبه والده لنهوض نبيل المفاجئ ، ليكمل هو الآخر " لديك عائلة جميلة ، لكني لن أكون جزءاً منها " 

xxxxxxxx

في الطرف الآخر لم تكن هَيا أقل هدوءاً ، منذ دخولها العاصف للمنزل وهي ترغب بركل وتحطيم ما يقع بين يديها لكنها قاومت ، بأكبر قدر لديها !

أولئك الحرس متزمتون فعلا لا تصدق بأنها ستقضي ما يقارب الاسبوع برفقتهم ، ألقت بجسدها على السرير وأغرقت وجهها بوسادتها تخرج ما يعتَمل صدرها من صرخات انتهت لتلتقط أنفاسها ، طُرق الباب لتُجيب بصوت متوتر " يمكنك الدخول "

انسلت والدتها بخفة للداخل وهي تمعن النظر في ملابس مدللتها القطنية الواسعه ، لتزفر بضيق
" هَيا عليكِ أن تعتادي على ارتداء ما جلبته لك ، زفافك بعد اسبوع ، لا تُخبريني بأنك ستقضين ليلتك الأولى مع زوجك بملابس هكذه ! "

" إنها مريحه ، ولا أود تغيير عادتي ." 

تغير صوت والدتها ليصبح أرق " عزيزتي ، لما لا نحاول تجربة العلاج بالليزر ، ستتحررين من تلك الندبة البشعه وتنعمين بحياة مريحه ؟"

ضاقت عينا هَيا وهي تستمع لطلب والدتها للمرة الألف لترد بحزم " لا ، يكفي لن أقوم بتغيير ذاتي لأجل أي شخص ، إن رغب بي فعليه تقَبُلي بعيوبي !"

تنهدت منى واستسلمت " حسنا ، عليكِ بالراحة ، بالنسبة للحرس فقد تحدث شادي مع والدك مسبقا لذا فهم لن يغادروا لأي مكان في هذه اللحظة ."

كادت ان تصرخ حنقا للمرة الثانية ولكن عوضا عن ذلك اختبأت داخل أغطيتها تناجي النوم أن يخلصها من قلقها المتزايد وغضبها اللامحدود بهذه اللحظة .

أسدل الليل ستاره حالك السواد وأشرقت نجومه المتراقصه على ضوء القمر المنتصف ، ليغط البعض في نوم عميق بينما في مكان ما ، يقبع شخص يراقب من بعيد تستعر بداخله نار لن تخمد قبل أن يضع نهاية لهذه القصة البائسه ، قصته مع حب غير مكتمل وجرم ناقص !

لاحت ابتسامه مرعبه باتساعها وصوت مفزع " لن أسمح لهذا الارتباط بالاكتمال أبداً !”

xxxxxxxx
مرت 3 أيام مسالمة ما بين عمل متقطع و تحضيرات نهائيه للشقه الجديدة التي ستجمع بينه وبين محبوبته الشرسه ، يَعلم بأن هدوئها للآن مؤقت وستعود لتفترس المعلومات منه ولكن حينها سيكون الآوان قد فات للتراجع ولن يمكنها الهروب والاختباء عنه ، هذه المرة سيجتمعان دون أن يخضعا لأحد !

طَرقات متتابعه أَيقظتها من سباتها الطويل ، متى كانت أخر مرة تناولت فيها الطعام ؟ ، بل متى غطت بالنوم بغير إدراك ؟

لم تعد قادرة على تحريك جسدها ، بل إن عينيها ترفضان التعرض للضوء وعقلها يفضل الغرق بحالة من التوقف ، مرت الأيام كحالها ولكنها في فوضي تامه من بعد انفصالها عنه قَلبها توقف بالفعل ، كما أخبرتها هَيا توقف عن الشعور بالألم ولكن دموعها لم تفعل المثَل !

أخرجت صوتها الناعس قائلة " يمكنك الدخول " 

دلفت والدتها الغرفة المظلمة والتي لا تزال على حالها منذ 6 أيام لقد قاربت على بلوغ أسبوع كامل وهي ملازمة للسرير ، لتصل لهفتها لمسامع لُجين " عزيزتي ، عليكِ بالنهوض !" 

لم تستطع سوى إخراج همهمه بسيطة تعبيرا عن يقظتها الجزئيه ، لتتابع والدتها بنغمة مؤنبه :
" قد لا أكون خبيرة بما يحصل هذه الأيام ، ولكن أدرك تماما حين أرى قلباً محطما أمامي !"

اتسعت عينا لُجين ونهضت مبعدة الغطاء الجاثم عليها وأشعلت المصباح القريب من سريرها لتعقد حاجبيها حين رأت ابتسامه والدتها الباهته بفعل الضوء ، كادت أن تنفي كل فكرة تصل لوالدتها عن كونها مَنفطرة الفؤاد ، لتصمتها بطلبها المفاجئ .. 

" هنالك من آتي ليطلب يدك ، إن لم تكوني فعلا كما افترض فعليكِ أن تنجحي بإقناعي ومقابلة الأشخاص لمرة واحدة !"

غادرت والدتها لتحضر كل ما يلزم لاستقبال ضيوفها وقلبها يؤلمها على صغيرتها ، فإن استسلمت لمشاعرها سينتهي بها الحال يوما مثلها وهذا أمر مرفوض كليا .

عادت الأحداث تضرب إعصارا داخل عقلها الصغير ، هنالك من سيتقدم لخطبتها غير نبيل واليوم !

استمعت لخفقان قلبها المتألم الذي سرعان ما بدأ باتهام علقها : لما كان الانفصال الحل الأمثل ؟
انظر ما الذي فعلته بنا !

تجاهل عقلها ضربات قلبها وحزم أمره المتردد : كان الحل الأنسب للتقليل من الأضرار، لا يمكننا البقاء في علاقة محكومة بالفشل !
والأضرار الجانبية ستنتهي عاجلا أم آجلا .

لم يعجب قلبها بقرار عقلها المتسلط ، دوما ما يخسر معاركه ، ولكن ليس الحرب فهذه المرة وقعت بقلبها فكانت الخسائر أعظم مما تخيلت ، فقدت نفسها في هذه العلاقة تركت جزءاً كبيرا من ذاتها معه ، زفرت مطولا واستنشقت كمية كبيرة من الهواء لتحبسه قليلا ثم تطلقه ، إن كانت ستمضي بحياتها فهذه خير بداية .

لم يَمت شخص تعرفه من قبل بسبب أول حب ، ولن تكون أول من يفعل هذا ، يكفيها رؤيه ابتسامة والدتها الحانية ، ما حصل قد حَصل !

نهضت بخفه وكل عضلة بجسدها تؤلمها لحركتها القليله ، وبدأت بترتيب حاجياتها والاستعداد لمقابلة المُتقدم المجهول .

" لا يمكنك المجئ برفقتنا ، لا تزالين متعبه !" 

تجاهلت تعليقه لتنظر له بطرف عينها وهي تتقدمه بعكازها " لن تفيد محاولاتك ، إنهم أقربائنا ولم نرهم منذ إنفصال والدك عن ابنتهم وسفره لأمريكا ."

القلق يتآكل قلبه لم يمضي على خروج جدته من المستشفي سوى أيام عده وهاهي الآن تسابقه في الذهاب وخطبة تلك الفتاة التي تعود قرابتهم لارتباط ابيه بنسبهم ، لا يهتم لأولئك الأقرباء لا أحد يَهمه سوى صاحبه الجسد الغض والصحه المعتله " أنا ارجوك ، لن يطول الأمر إنها مجرد زيارة !"

كان والده يراقب إصراره وعناد والدته المتوارث عن سلالاتها المنقرضة دون أن يحرك ساكنا لأنه يعَلم المنتصر في النقاشات وهي والدته بلا منازع ، أصدر عكازها صوتا حاداً اثر ارتطامه بالأرض منهيا النقاش من طرف نبيل قائلة " لقد مر وقت طويل ، من المُشين عدم حضور كبار العائلة لإصلاح ما أفسده دلال الصغار " 

كانت تلك الكلمات في صرامتها موجهه نحو ابنها الوحيد ، ليرضخ نبيل وتعانق عينيه عيني والده الخجل من فعلته لعدم تواصله مع تلك العائلة مجددا .

لم تكد لُجين تنهي تحضير ما ترتديه وإطلاق خصلاتها للحريه حتى باغتها صوت هَيا القادم من الطرف المقابل ، أسرعت بخطواتها تَجذبها للداخل قبل أن تنهي حديثها مع عمتها حول الاستعدادات المُقبلة ، راقبتها والدهشة تعتريها " لُجين ما بك ؟ " 

" صدقاً لقد تأخرتي ، كان من المفترض وصولك قبل نصف ساعه !" 

اتسعت ابتسامه هَيا وهي تشاهد ابنه عمتها وهي تنهض مجددا من حالتها اليائسه وفضلا عن سؤالها عما مضي ، تحدثت وعيناها تترقصان فضولا " إذن من هو ذلك الزائر المفاجئ ؟ ، لم أعلم بأن لديكم صلة قرابه أخرى !" 

كانت تضع اللمسات الأخيرة من قلادة ناعمه وأقراط نجميه حين أجابت " لا علم لي ، لقد فاجئتني والدتي ، ووجدت بأنها فرصة لنفض الماضي ومحاولة البدء مجددا ، ربما " 

وقبل أن تستمر المحادثات أُعلن عن وصول الضيوف ، كان خالد يتوسط الجلسه مع شقيقته لتُتبادل الأحاديث لما يقارب النصف ساعه ، وحينها طُلب من لُجين إحضار الضيافه لتقابل مجهول الهوية .

لم تكن مستعدة ، سخرت هَيا من موقفها وإحمرار خديها المبالغ فيه ، لتُركز على عمل رئتيها اللتان اضطربتا حين دخولها للترحيب بضيوفها ، ما رأته شل حركتها ، فإما أنها جُنت أو من يجلس أمامها هو فعلا من تظنه !

مَل من الانتظار تلك الأحاديث الجانبية لا تُثير اهتمامه ولكن المثير حقا هو وجود السيد خالد كقريب بعيد ، كاد أن يسقط فكه حرفيا من شده اندهاشه ليتأقلم بخفه مع التيار ، لا يعَلم أي قوة أبقته مثبتا على تلك الآريكه لينجح في مصارعه رغبته الجامحة في الهرب ، ترابطت اصابعه ليسيطر على نوبة رعب أصابته ، سيرتبط بفتاة لا يألفها وقَلبُه مُعلق بأخرى !

ماهي إلا دقائق ..

ليتوقف الزمن ، وتصبح أحاديثهم كهمهمه في أُذنه ، إن كان يَحلم فمن الأفضل أن يغلق عينيه ويحتفظ بصورتها بين طيات ذكرياته ، ارتعش قلبه وأضاءت عيناه حبورا لقد وجد سعادته . 

ابتسم خالد وهو يقدم لُجين للضيوفه " هاهي ابنتنا الصغيرة لُجين " وبالتتابع أشار لضيوفه 
" هؤلاء هم أقربائك من جهة خالتك تحديدا من زوجها السابق وقد قرروا الارتباط بك ويال المفاجأة فنبيل هو ابن هذه العائلة ."

تقدمت بخطوات مرتجفه بطيئه لابد من أنها تحَلم ، أجل تَحلم ؛ من يُخيل إليه ، بأنهما مرتبطان بهذه الطريقة خالتها قد فعلت خيراً ولمرة واحدة ، انجابها تؤاما لروحها ، كادت أن تَفر هاربه إلا أن جدته أمسكت بها متلبسة وأبقتها بقربها لبعض الوقت ، قلبها يخفق بشدة ضجيجه يصُم أُذنيها عن أحاديثهم ، اعتذاراتهم ، ورغباتهم ، كانت شبه متأكدة لمعرفه هذه العجوز بالمستشفي والآن تحققت احاسيسها ، لقد كونا رابطة منذ زمن بعيد .

عَم الهدوء ، تفاجأت ألم تكن ثرثرتهم تملأ المكان صخبا ؟

اقترب قليلا ليمحو أثر شكوكه الطافيه ، حتى يصدمه عطرها الآخاذ إنها حقيقة ، غادر الأفراد ببطء ليخلو المكان سريعا .

تجولت بنظراتها لتجد المكان فارغا ، لا يتواجد فيه سواهما ، يا إلهي إنها لحظة التعارف ، بل بمعني أدق التصادم ، أن يلتقي الجليد بحمم البركان ، نهض وقطع بضع خطوات ليصل لمكانها وعيناها لا تزالان تحتضنان الأرضيه الرخاميه ، ركع على ركبتيه وأمسك بيديها الباردتين ليحتضنها بدفء داخل راحه كفه ، وبين لحظة وأخرى يطلق دفعه من الهواء الساخن لتجديد الحرارة ، تجمعت غمامات دموعها وتركت لها حريه الفرار ، إنها لا تحلم ومن أمامها نبيل !

زادت ابتسامته مظهرا صف اسنانه اللؤلؤيه و وبحركه خفيفه مسح بإبهامه دموعها الساقطة : 
أخبرتني مرة بأنني سأجد ما أصبو إليه بأني سأجد السعادة ، حسناً أنتِ سعادتي .

تعالت خفقات قلبها وعانقت عينيها عينه أخيرا بعد أن باح بما يعتمل بما فيه داخله ، وتابع بنغمة راجيه : أتقبلين الارتباط بي ؟

ابتسمت ومن ثم هز رأسها موافقه ، لتشع عيناه سعادة اراد احتضانها وتقبيل ثَغرها الباسم ولكن كبح لجام نفسه ، لكل شيء وقته وقريبا ستصبح له كما أراد .

xxxxxxxx

تم الاحتفال تلك الليلة بهذه الأخبار المفرحه و احتفاءاً بانضمام فرد جديد لتلك الأسره الصغيرة ؛ تعالى نباح بضعه كلاب بينما تولى صرصار الليل اتمام معزوفته ببقعه تعلوها الرطوبه بمنزل مهجور حاملا جهازا بيده يُقلب بين تلك الصور ، وانفاسه تترك طابعها القذر على الشاشه المُضيئه استمر بالتدقيق بتلك الصور ، انحناءات جسدها ، ابتسامتها ، سُمره بشرتها ، يعَلم ما سبب تكشيرتها الخاطفه لإحدى الزميلات وتلك النظرة الغاضبة الموجهه للمصور المتطفل على خِلوتها ، نَعم يعَلم كل ذلك وأكثر ، كاد أن يهشم جهازه بعد أن لاحظ وجود حبيب قلبها في إحدى الصور التي لم يستطع التخلى عنها ، أجل عليه أن يُبقي هدفه ضمن الاطار !

هَمسٌ تردد صداه ضمن الجدران التي تُخَبِئه “ ستكونين لي ، قدرنا معا ، وذلك المتعجرف شادي لن يمتلكك أبدا “

حَلت نهاية الأسبوع كنهاية الدمج وحَانت لحظة اتمام العقد بارتباط هَيا وشادي في إطار زواج يتخلله حضور العديد من الشخصيات الهامة والعائلة ، الحرس يملئون المكان في كل مدخل ومواقف السيارات ، وكأنما هنالك خطر يُماثل انفجار قنبلة موقته يقبع تحت اقدامهم !

تغضن جبينها للمرة الثالثة بعد انتهاء المصففه من تجعيد شعرها وجعله كشلال قصير يصل لكتفيها مع وضع القليل من ظلال العيون والماسكارا لكثافة رموش عينيها المحددتين بالكحل الأسود ورونق شفتيها الخلاب بالزهري اللامع ، أما ردائها فكان من قماش حريري منسدل بحرية ملائماً لمنعطفات جسدها وأكمام من الدانتيل تصل لنصف ذارعيها ، تدلي وشاح من كتفها الأيمن جزئيا مُضيفا بهاء للتصميم بتعرجاته الحرة إضافه لحزام نجمي يُزين خصرها ، اعترضت بشدة قبل أن تتدخل لُجين قائلة :
“ يكفي هذا لما كل هذا الاعتراض ، لم يبقي سوى القليل !”

ألقت بنظرة ساخطة قبل أن تُكمل حديثها “ لما على أن ارتدي هذا الفستان ، سأُجن حقا ، أكره الدانتيل !”
ابتسمت لُجين ومسدت ظهر هَيا بحنو “ إنه شرط عمتي ، لن يُمكنها تحمل إرسالك لمنزلك الجديد دون أن تراكِ بفستان ناعم كهذا “

وقبل أن تعترض بكلمات إضافيه ، طُرق الباب وأدخل دفتر كبير الحجم لتوقيع العروس ، لم تفكر قبل أن تَخط بأحرف كبيرة اسمها وتُنهيه برسميه معتادة انتهت وعَلت الزغاريد الغرفة كإعتلاء الإحمرار وجنتيها ، تقدمت والدتها تسرع الخطى لاحتضان صغيرتها وإلقاء بعض النصح .

وبالمقابل قام شادي بالمثل وتهللت أساريره حين تتالى التبريكات من الجميع ، وأخيرا أصبحت زوجته شرعا وقانونا ، تسارعت الليله وحان وقد تقديم العروس لزوجها لذا كان من اللازم تحضير زفه للعروسين حتي يستلمها ويتجه بعد ذلك لمنزلهما الجديد ، انتظرت في تلك الغرفة الفارغه تحسب عدد دقات قلبها المجنون وتحدق بباقة الورود الحمراء المُزدانه بقطع ألماس متفرقه ، تمالكت ذاتها من قطف تلك البتلات الواحدة تلو الأخرى ، تناهي لمسامعها صوت أنفاسٍ مكتومه كصراع خارج هذه الأبواب ، محاولة يائسه لفتح الباب الذي قوبل بالضرب هو الأخر فزِعت ففي لحظة كانت تَثب واقفه وبالدقيقة التالية حُطم الباب..!

وقَبل أن تتمكن من إطلاق صرختها حَبست قطعه قماش مبللة بالكلورفرم تلك الصراخات لتحولها لنوم طويل !

غابت عن الوعي ، فيما ذهنها يستحضر صورة خاطفها ، لقد عاد من القبور ، عاد ليأخذها معه للجحيم .

(8)


انتظر الضيوف إحضار العروس لتوديعها ، ولكن الانتظار طال لتتولى منى مهمة تسليم ابنتها لشادي ظنا منها بأن الخوف قد دب بأوصلها مانعا إياها من الحركة ولكن ما وجدته هو حرس غائبون عن الوعي وبقايا حطام ، وباقة حمراء تنتصف الغرفة تنتحب لرحيل صاحبته الغادر !

صرخت بعلو صوتها ، تستنجد بأحد ما “ لقد اختفت ، هَيا اختفت !”

أصاب الكل الذهول ، ليَحل مكانه الارتباك بالدقيقة التالية ، كاد أن يصاب خالد بسكته قلبيه لقد صَدُقت توقعات شادي ، لقد أخذ زهرته صغيرته !

أسرعت لُجين بوضع حجاب تغطي به شعرها العسلي المتحرر كتموجات بحريه ، وأنطلقت لغرفه الأمن قائلة بحده “ كيف استطعتم أن تغفلو عن مراقبة الرواق المؤدي لغرفة العروس !”

التفتت الرؤوس لذات الصوت الأنثوي الغاضب ، ليتدخل أحد الموظفين قائلا برسميه “ لقد وصلتنا أوامر تنص على عدم اقتراب الكاميرا الأمنية لتلك الجهة ولكن يمكنك التدقيق بالأمكنة القريبة ومخارج الطوارئ “

شعَرت بالدماء تتصاعد لرأسها الصغير ، ابنه عمها بخطر مُحدق وهؤلاء الأغبياء يتحدثون وكأن الأمر لا يعنيهم البته كادت أن تتلفظ بأسوء ما لديها لتوقظ لديه حس النباهه ولكن تدخُل نبيل ألجم لسانها ، تحدث بهدوء للمسؤول “ قم بجمع كل اللقطات للساعتين الأخيرة لابد من أن هنالك خطبا ما لم تستطيعوا ملاحظته !”

بعد دقيقتين دلف شادي للغرفه فمنذ سماعه للخبر لم يستطع أن يُبقي اعصابه في حالة من الهدوء لذلك أتصل بالشرطة للتبليغ عن حالة إختطاف وعن وجوب إرسال فرقه للمساعدة بالبحث في الأدلة المتواجدة ، مرت نصف ساعه ولا يزال البحث جاريا ، لُجين تذرع الغرفة ذهاباً وإياباً راجيه أن يكون ذلك الأحمق قد ظهر بإحدى اللقطات !

وشادي يراقب تلك الشاشات بعيني الصقر ، يعَلم واثقا بأنه قد تسلل للداخل ولكن كيف له ذلك فالمكان مملتئ بالحرس ولا يمكن لأي شخص الدخول بدون بطاقة دعوة مصرحه بالاسم ، وقبل أن يتعمق بتفكيره أتاه الجواب في لمحة سريعه من شريط المراقبة ليهتف “ انتظر اعد الشريط هنا “ 

كان ذلك لأحد الحرس وهو يتوجه لتدخين سيجارة خارج القصر من السلالم المؤدية لمواقف السيارات ، تحدث الموظف برتابه “ إنه أحد الحرس ، ماذا بالأمر ؟ “

تجاهل شادي تعليقه بينما ظلت لُجين تطلق شرارات متطايرة نحو الموظف المتملل في مكانه ، تابع شادي مواصفات الرجل الذي خبأ وجهه عن كاميرا الأمن بشكل مقصود ، ليأمره بحزم 
“ أرني جميع اللقطات المؤديه للمخارج الخلفيه وأيضا مواقف السيارات ، ولا تهمل لي دقيقة واحدة “ 

بعد انضام موظف آخر في هذه العملية ظهرت نتيجه واضحة عما حدث ، زمت لُجين شفتيها حانقه “ لقد استغل خروج الحارس وافقده وعيه ، وانتحل شخصيته ! “

أشار نبيل لأمر مهم بينما ضغط شادي أزرار هاتفه ليبلغ الشرطه بإغلاق الطرق المؤديه للمطار واصفاً المشتبه به بأدق ما يمكنه من معلومات وجدها “ لوحة السيارة أظهر الرقم لنبحث عنه من خلال شبكة مراقبة الطرق ، أسرع “

بدأ المسؤول في إلقاء تعليماته في محاولة لتوضيح رقم اللوحة المغادرة في حالة عجلة واضحة ، أفزع شادي الموظفين بضربه لسطح المكتب المجاور له ساخطاً “ كيف استطاع إخراجها من هنا حتى وإن تظاهر بأنه أحد الحرس ، كيف له أن يحملها دون آن يُسمع صُراخها أو أن يَلمح أحد ما طيفها !”

نقرت لُجين بأظفارها على مكتب التدقيق لتتحدث بصوت مسموع “ أعتقد بأنني قد شاهدت أحد الموظفين قد أدخل صندوقاً هائل الحجم بحجه أنها طلبيه من محل للأزهار ، كنت أعتقد بأن هَيا قد رتبت للأمر لتكون مفاجأة !”

تابع نبيل مُقتربا من خطيبته “ إذن لابد من أنها وسيلته في إخفائها ، لن يَشك أحد ما بصندوق فارغ “

تنبهت لُجين لخطورة الموقف حينما ألقت بنظرة متوجسه نحو ساعة الحائط إنها الحادية عشر لقد مرت ساعه كاملة منذ إختفاء هَيا وبكل دقيقة تقترب المسكينه من نهايتها المشؤومة ، خَطت مبتعدة عن نبيل وبنبرة هجومية وجهتها للنمر المُتأهب :
“ اتفقنا على أن تحميها من ذلك السافل ، وأن تظل الأمور طي الكتمان طالما بأنها لم تتذكر أيا مما حدث بالحادثة السابقة ، ولكن أن تعود وتُقاسي الأمر ذاته ، كما لو أننا نُلقي بها للهاوية ، هي لن تتحمل ولن يُبقيها سالمة سيَقتُلها فور انتهائه من متعته الخاصة !”

صرخ هو الآخر زاجراً وقابضا أصابع يديه حتى ابيضت :
“ وهذا ما فعلته للآن ، لقد نَكرت علاقتنا السابقه ، كنت أخرساً لم أبحُ بشيء يؤكد شكوكها لهذه اللحظة ، أَمرت بحرس من الدرجات العُليا ، ومع ذلك استطاع النفاذ بسهوله ،وضعته خلف القضبان لمدة 8 سنوات وهَرب فور سماعه لخبر خطبتنا ، اختطفها في يوم زفافنا ليؤكد بفعلته أنه لن يسمح لنا بأن نكون معا !”

انتفضت لُجين من انفجار شادي المؤلم أنفاسه في تسارع وعَرق بارز من جبينه ولونه خُطف ، شحوبه يؤكد مقدار فزعه ، أنه خائف مما سيحدث ويَعلم النتيجه مُسبقا ، إن لم تستطع هَيا كسب بعض الوقت فإن حياتها قد حانت نهايتُها !

xxxxxxxx

التوقيت 11:1

قطرة باردة لامست جَبينها تلتها قطرة أخرى ، رائحه خانقة معبقة برطوبه التربه ممزوجه بالاسمنت الجاف ، حاولت تحريك يديها اللتان أطلقتا إنذارا بالألم لتجدهما مكبلتين ، شعرت بثقل جاثم على جفني عينيها وبدوار يمنعها من مواكبه الأحداث الأخيرة ، فَزِعت!

لما يداها مُكبلتين رمشَت بعينيها قليلا لتعتاد على الضوء الخافت المتوزع بأنحاء متفرقه ، أرادت تحريك قدميها علها تجد طريقه للخلاص ولكنها كانت مُقيدة بأرجل الكرسي الخشبي .

هتفت برعب “ اللعنه ، ما الذي يجري هنا “

مرت دقيقة تذكرت فيها الاقتحام المفاجئ ، وذلك الرجل ..!

خرجت كلماتها من بين شفتيها المرتجفتين كمن يلفظ آخر انفاسه “ إلياس الباطني !”

وعلى وقع أحرفه تتابعت خطواته الرشيقه بينما صدى صوته يَنطق مُصححاً “ بالنسبة لك Elee هل يَشُمل فقدان الذاكره نسياني ؟! “

ارتعاشه مرت بعمودها الفقري ورجفه سيطرت على جسدها الغض وصداع مفاجئ استعمر جزءاً من دماغها كل ذلك في جزء من الثانية ، جسدها يتذكره والآن هي أيضا ستتذكره !

xxxx*
حزمت أمرها وهي تراقب القادم من البعيد بوسامته مُنقطعه النظير وجال ببالها حديثها المعتاد 
“ ألا يَمل ، أصبح الوضع مزعجا للغاية !”

التقط أنفاسه وهو يطلق تحيته الصباحيه كعادته المعهودة ، بنغمة يُخفي خلفها شوقه ولهفته
“ صباح الخير ، من الجيد لحاقي بكِ “

ارتدت ملامح الجديه متجاهلة نظراته وأسلوبه في الحَوز على رضاها “ صباح الخير إلياس “

أعترض بخفه وهو يواكب خطواتها المتعجله لإنهاء اللقاء “ لا يجوز ذلك من المُفترض بأن تُناديني ب “ Elee “ إلي ، نحن نعرف بعضنا ما يُقارب السنه لما الرسميات إذن !”

توقفت مُحاولة إبتلاع غصتها والتحدث بشكل سليم ، فالعلاقة التي يرغب بتكوينها معها مستحيلة كيف ولا، وهو مجرد زميل تشاركا معا في إنجاز مشروع دراسي فحسب .

“ إلياس “ شددت في نطق اسمه لتصيب قلبه بسهام مُباشرة ، نُطقُها لاسمه مجردا يَستهويه ، ولكن إن صاغت اسمه بتدليل مُتملك ماذا سيَحل به ؟

قذفت حديثها بوجهه دونما اكتراث “ لا ، معرفتي بك سطحيه ولا أرغب لها بأن تتطور لست مهتمه ، اهتمامي مُنصب حول المعرض الفني القادم لهذا الشهر لذا اتركني وشأني “

ابتسم ببساطة متجاهلا تعليقها ليتحدث بغرور “ إذن ما رأيك بمرافقتي للمعرض ؟ لدي صلات قويه لهذا الحدث “ 

تنهدت مطولا ودارت بعينيها قبل أن تصَفق بكلماتها وجهه المُشرق بابتسامة نصر “ لا ، لن أُرافقك ، تعَلم بأنك تبدو كمُترصد حاليا ، أُخبرك وللمرة المئة لا مستقبل لك معي “

وقبل أن يتحدث بحماقه تُكدر بقية يومها ، لَوحت لإحدى رفيقاتها التي سرعان ما هَبت لنجدتها وتوجهتا نحو محاضرة الفن المعاصر .

ولم تُلاحظ ذلك التَكدر المرعب في ملامحه الخلابه لتصبح شنيعه المنظر ، وإن لاحظت فلن يُصيب قلبها سوى الهلع !

تفادت إلتقاء عينيه ذات اللون الرمادي وهي تقوم بتسليمه بقية اللوحات التي كانت من نصيبها لتُنهيها ، تأكدت من كافه أعمالها مرة أخيرة قبل أن يقطع الصمت سؤاله الفظ “ ما علاقتُك بشادي السالمي ؟ “

تجاهلت وقع السؤال وغَلفت لوحاتها جيداً ، كادت أن تهَم بالمغادرة إلى أن أمسك ذراعها بقوة ألمتها ودفعت الدموع لعينيها قائلا بنغمة وقحة مفعمة بالتملك : أنتِ لي ، لا يمكنك الزواج به !

خرجت كلماتها من بين شقتيها قَهرا “ من أخبرك بذلك ! “

كاد أن يلتصق بها وهو يهَتف صارخا “ الجميع هنا يَعلم ، لقد تلازمُتما لما يُقارب السنة والنصف فلا تتوقعي الصمت بشأن ذلك ، أنتِ ملكي “

حاولت انتزاع ذراعها من بين يده ولكن بلا فائده ، صفعتها تلك الكلمات الواثقه في حين زمجرت بعصبية نادرة : دعني ، لا يحق لك لمسي ، أو حتي مخاطبتي هكذا !

خطبتي لشادي ستكون رسمية قريبا وهو الشخص الوحيد الذي سأرتبط به .

تحدث مجددا بنغمة عاليه النبرة وغضبه بازدياد : إياكِ ، لا تظني لوهلة بأني سأدعك تعيشين أحلامك الوردية ، سأحرص على تدميره قبل أن يفكَر بالارتباط بك !

عقدت حاجبيها باستنكار بينما انتقل الألم مضاعفا لجهاز الاحساس لديها : دعني ، إنك تؤلمني !

ضحك الآخر بطريقة أقرب للجنون قائلا بوعيد : إن لم ترفضي الأمر وتنهي هذه المهزلة ، سأحرص على إفلاس شركة والده وبذلك سيرفض والدك حتما ، واسم الشركة سيتلطخ بسمعه سيئة للغاية حينها أود أن ارى كيف ستنجحان في إتمام الخطبة وتبعاتها .

اتسعت عيناها دهشة وتحجرت دموعها بل إن الكلمات اختنقت بحنجرتها لتنطق بغضب عارم 
" أيها الحقير ، كيف يمكنك فعل ذلك ، ما دخلك بكل هذا !"

ابتسم بخُبث واقترب منها بشكل ينم عن الخطر هامسا كحفيف مزعج " لأنني أحببتك أولا ، ولأنه شخص مُعتد بنفسه إن ظن لثانية بأني سأتركه يفعل ما يشاء بك ، معارفي كثيرون والمال يستطيع شراء كل شيء !” 

شعرت برجفه تتسلق عمودها الفقري وانتابها القلق بشأن شادي ، فما يقوله هذا المختل ليس بمزحة إطلاقا وكما أن والده يعمل بذات المجال إذا لابد من له يداً مباشرة فيما يقوله !

xxxx*

هزت رأسها على مضض وتم الإلتقاء بشادي وفض العلاقه ، تتذكر ذلك بوضح ولكن ما كان قادما من بعيد تلك الحادثه التي انهت صمُودها وجلعت الدموع تتجمع بعينيها البُندقيتين لقد كان هو خلف احتراق المزرعه .

بعد انهائها تعليماته واجهته وبشدة “ لقد انتهينا ، ستترك شادي يذهب في حال سبيله ، لقد حققت مرادك الآن لا شيء سيجمع بيني وبينه !”

اشتعلت نظراته بلهيب غير اعتيادي لتتغير من اللون الرمادي للسواد القاتم ، ازدرات غصه عالقة بحنجرتها تراجعت خطوة للخلف ، بينما نهض من تلك الآريكه الجانبيه مارا بموقد ينتصف الصالون الداخلي بكل بهاء ، صفق بكلتا يديه ثم فتحهما على وسعهما قائلا بنغمة مبهمة “ إذن فقد حان وقت الاحتفال ، سَتُصبحين الآن ملكا لي ، شيء يَخُصني “

فرقع باصبعه الأوسط وابهامه ، ليتدخل في المعادلة رجُلين ذو أجسام رياضيه واحد منهما يحمل كاميرا للتصوير المنزلي والأخر قطعه حبل ، غاص قلبها رُعباً ما كان عليها أن توافق على المجئ وحيدة ولكن ماذا تفعل ، لن تُقدم شادي على طبق من ذهب ليهدم كل ما حققه والده على مر السنوات !

احتمت بحقيبتها الصغيرة وتراجعت بخطوات متتابعه علها تستطيع الانطلاق بقدميها للسيارة ولكن هيهات فهي لم تكن يوما من مُحبي الركض ، راقبت إلياس وابتسامته تعلو ملامحه البيضاء وانفه المستقيم يتغضن بدقيقه مسح بلسانه شفته العليا قائلا “ ستكونين لي وسيتم تصوير ذلك ، ستصبح ذكرئ جميلة لنستطيع تخليدها للأبد !”

استوعب عقلها ما يُلمح له وانتفاضه اصابت قدميها لتوقعها بمكانها لقد كَبلها الخوف إنها الآن تحت رحمته ، تجولت نظراتها الجاحظة نحو الثلاثة ذئاب المُحيطين بها وكل منهم يستعد لإتمام وظيفته لأجل الربح الأكبر بينما إلياس مشغول بفتح أزرار ياقته ، صرخه أطلقتها بعلو صوتها حتى شعرت بالألم داخل حبالها الصوتيه وبالهواء يُغادر كل حويصلة رئويه !

عَلت ضحكته متزامنا مع صوتها الذي يُطربه ويَبُث الرضا فيه ، لا يُخفي حبه المجنون بها مُنذ أول لقاء وأول نظرة تعانقت فيها نظرتهما هي لم تُبالي مما جعلها أكثر تَميزا لديه ، تعددت محاولاته والرفض هو الجواب ولكنه الآن سيمتلكها ، أشار لصاحب الكاميرا بالبدء والتقط الحبل من الرجل الآخر المراقب للوضع بمتعه خالصة .

اغمضت عينيها بقوة وقلبها يُناجي الخلاص “ يا الهي كن منُقذي ، ورحيما بحالي “ 

(9)


عَلت ضحكته متزامنا مع صوتها الذي يُطربه ويَبُث الرضا فيه ، لا يُخفي حبه المجنون بها مُنذ أول لقاء وأول نظرة تعانقت فيها نظرتهما هي لم تُبالي مما جعلها أكثر تَميزا لديه ، تعددت محاولاته والرفض هو الجواب ولكنه الآن سيمتلكها ، أشار لصاحب الكاميرا بالبدء والتقط الحبل من الرجل الآخر المراقب للوضع بمتعه خالصة .

اغمضت عينيها بقوة وقلبها يُناجي الخلاص “ يا الهي كن منُقذي ، ورحيما بحالي “ 

وقبل أن يقترب خطوة إضافيه ، أتاه صوته محملا بالغضب “ ابتعد عنها وإلا قَطعت لك عُنقك !“

لم تستطع الإلتفات جسدها قد شلتها الصدمة ، ولكن صوته أنار الأمل الخامد بها لم تهتم بكيفيه وصوله ولا بتلك التساؤولات الغير منطقية خرج صوتها هامسا برجاء “ شادي ، أنقذني “ 

هاله منظرها حينما وقعت عيناه على حبيبه فؤاده أعماه غضبه ، سيقَتله هذا مؤكد كان يعَلم بأن هنالك خطبا بها لذلك لاحقها وصولا للمزرعه وحين سمع صرخاتها المتواصله عَلم يقينا بحقيقة شكه ، ولكن أن يكون إلياس خلف الأمر هذا مالم يكَن في الحسبان .!

انقض بسرعه النمر على إلياس الذي سقط من الوزن الجاثم فوقه وبدأ بتوجيه لكمات متتالية لوجهه وتحرك الآخر مُدافعا عن نفسه وبدأ بنفض شادي عنه ، استقام الاثنين لتلحظ هَيا الخيط الرفيع من الدماء النازف من إلياس عَلمت حينها بأنها النهاية !

أشار للرجل الواقف ببلاهه والذي كان متشوقا منذ دقيقة مضت للاشتراك في عميلته القذرة بالذهاب وتنفيذ الخطة الاحتياطية ، وتوجه لتفريغ كرهه الشديد للواقف أمامه ، لم تكن اللكمات الموجهه لشادي لتصيبه سوى بضعه مرات مقارنة بالعدد الهائل الذي ألحقه بجسد إلياس ، وقبل أن يُحسم شادي النزال بضربه قاضية خَر جسد الآخر مُحتضنا الأرض .

أسرع لهَيا محاولاً ان يحملها للهرب ولكنها التصقت بالجدار ، نهض إلياس وعظام قفصه الصدري تئن ألما أخرج هاتفه وضغط أزراره بخفه مرسلا رسالة نصية محتواها 
“ أبدا بالعملية لانهيار امبرطوريه السالمي “

لم تغب لحظة من ذلك القتال الدامي عن عين الكاميرا التي كان يحملها أحد رجاله ، عاد الآخر حاملا أعواد ثقاب ألقاها لإلياس الذي ألتقطها بمهارة ليصرخ نافذا بجلده “ لقد نفذت جزئي من الخطة لن أبقي أكثر من هذا “

لم يهتم به وأبقي نظره على ذلك الثنائي ، لن يحصل عليها إن لم تكن له فلن يمتلكها أيا كان!

بصق كمية الدماء المُتجمعه بفمه ، وأشعل عودا وابتسم لمنطقه في الحصول على رغباته سار مبتعدا وقبل مغادرته ألقي بعود الثقاب بين الحشائش المبتلة بسائل سريع الاشتعال ، مرت عدة دقائق قبل أن تلتهم النيران المزرعه وقد تمت محاصرتهم بداخلها حاول الرجل المتبقي الهرب بعد أن القي بالكاميرا ولكن ضمن محاولته التقطت ملابسه النيران واحترق حياً !

أُغمي على هَيا بعد ما شهدته ، لقد اكتفت أصبحت الأمور خارجة عن السيطرة .
" هَيا ، أجيبيني ، بحق الله استيقظي ! “

هزها برفق عَلها تستفيق من إغمائها ، ألقي بنظره في المكان ليجد الكاميرا الملقاه جانبا أسرع وألتقط الكاميرا إنها الدليل الوحيد الذي يمكنه ربط إلياس بالحادثه ، عاد سريعا لهَيا ووجد بأن النيران بدأت تنتشر وتقترب بشكل خطر لمكانهما ، سيصبحان محاصرين !

حاولت أن تستعيد إتزانها وتهرب مع شادي ولكن رأسها لا يزال في دوامه أثر نقص الأكسجين 
تشعر بالحرارة تستعر ملتهمة كتفها ، وبيد شادي تهزها بقوة ولكن ما كان أشد هو رائحة الخشب المحترق الجاثم على صدرها لتسعل بشدة قبل أن تفتح عينيها بصعوبة فالرؤية لم تكن متاحة بسبب السحب السوداء .

منعته رائحه الخشب المحترق من التنفس لذا قام بشق جزء من كنزته وغطى به أنفه وفمه ، اقترب منها واحتضن جسدها الغض لتتشبث به فيما كان يساندها على الوقوف متحدثا بصوت عالٍ " علينا الخروج من هنا، المكان يحترق بسرعة غير معقولة .! “

هزت رأسها إيجابا وحاولت أن تخطو بضع خطوات بمساندته ولكن قدماها أعلنتا المعارضة ، وانهارت مجددا على الأرضية الساخنة برمادها الأسود ؛ صرخ فزعا واحتضنها مبعدا عنها السقف المتهاوى ليرتطم بظهره ويرتطم المتبقي بكتفها فاصلا بينها لدقائق ، ليختلط صوت انئِنهما ، سكَن لدقائق حتى يعاود النهوض حاملا إياها بين ذراعية ، حاولت أن تصرخ و تبعده عنها لتقدر حجم إصابته ولكنه تجاهل موضع ألمه واستمر نحو المخرج المؤصد بركام الأخشاب.!

صرخت به لينجو بحياته، ولكنه تجاهلها لتعاود الصراخ بإصرار “ شادي دعني وأرحل ، لا يمكننا أن نخرج من هنا معا ، سَيقضي إلياس عليك ، أتوسل إليك !”

أنزلها وبحث عن شيء صلب ليحطم به تلك الأخشاب المحترقه فوجد مزهريه نحاسيه استخدمها في إزاحه العائق الوحيد ، أمسك برسغها جاذبا إياها لصدره “ لا تَهُمني تهديداته الفارغه ، أنتِ كل ما أريده ، ما جدوى إنقاذ نفسي إن كنت سأتركك خلفي !”

سَعلت بشدة ولسعات عينيها انبئتها بضرورة الخروج وإلا فإنهما سيموتان إختناقا ، إزدادت دفعات الأدريالين وافقته وماهي إلا دقائق معدودة حتى خرجا ولكنها فقدت وعياها بسبب جراحها ليرتطم رأسها بالأرض بقسوة .

xxxxxxxx

التوقيت 11:5 

تسارع نَبضها وزخات من العرق تلالأت حين اتخذها من صدغها ملجأً ، أرادت الهرب لتنجو بحياتها من المفترس القادم وجزء ضئيل أراد الانتقام بإقتلاع عينيه من محاجرهما وإطعام لحَمه للأُسود الجائعه ، ولكن القيد يضعها في موقف الضحية فلا تستطيع الدفاع أو الهجوم !

أشعل سيجارته التي تاقت لملامسه شفتيه وسحب كميه كبيرة من النيكوتين لصدره ثم بذات السرعه نفث بموجه انتشرت مخلفه سحابه بيضاء ، تابع السير نحو أسيرته ورطب شفته العليا بلسانه قائلا “ ألم أعدكِ بتدميره ؟ “

خرجت أحرفها متراقصه ، مُتقطعه “ ألم تَكتفي ، دعني أرحل فُكَ قيدي .. أين أنا بحق الله !”

أصبحت ملامحه ضمن نطاق الإضاءه الخافته ، لترى إلياس بشكل آخر عما عهدته ، فملامحه إختفت أصبحت مختلفه للغاية ، وآيات الجمال التي كانت تتقاتل الفتيات لأجلها بَهُتت ، أصبح جسده نحيلا وعظام وجنتيه بارزتين بخلاف الندبه الممتدة على طول فكه وشفتيه المتشققتين وحاجبيه الكثيفين وبالرغم من ذلك فشعره الكثيف صمد عبر سوء التعذية وقله العنايه وما بقي على حاله هي تلك العينان التي تَمقُتهما .

استجمعت شجاعتها وحاولت تحريك يديها لفك الحصار عن رسغها ، انتابتها رغبه بالبكاء فالألم يغزو دماغها بموجات متقاربه ، اقترب الآخر وجلس القرفصاء أمامها ورفع رأسه مواجها 

لملامح وجهها المرتعبة “ لقد اشتقت لكِ جميلتي “

كادت ان تُفرغ ما بجوفها حينما خدشت تلك الكلمات المقززة طبلة أُذنها ، لتُبعد عينيها عن وجهه القبيح باحثه عن مهرب ، عليها أن تُسرع وإن كانت ذكرياتها صحيحة فهو مجرد قاتل عديم المشاعر !

التوقيت 11:10

تسمرت عيناه على ملامح الشخص الدخيل عليه أن يقطع الشَك باليقين ، فإذا صَدقت توقعاته لن يصبح إجاده أمرا صعبا .

لم يستغرق سوى خمس دقائق للتأكد فذلك الوجه يستحيل نسيانه وإن اختلفت بعض ملامحه ، التقط هاتفه ليتصل بالشرطة وهتف لنبيل بالاهتمام بالبقية وغادر مسرعا فأمامه طريق طويل للحاق به ، بينما بقيت لُجين تدعو أن تكون ابنه عمها بخير فما حدث سابقا لم يكن أمرا يَسُهل التغاضي عنه ، فالصحافه لم تترك شيئا للصدف وكانت تبحث وتُنشئ عناوين رنانه ، لحُسن الحظ تولي شادي الأمر بتلك المرة وصُب كافه الاهتمام على الشركة المنهارة وتبقت الإشاعات التي تمت تداولها لتغادر هَيا بأقرب رحله للعلاج بالخارج ، كان وقتا عصيباً والآن تأمل أن ينتهي كل شيء على خير .

التوقيت 11:15

ابتسم واضعا رأسه على فخذها بينما بقيت ساكنه تُحملق به ، وبدقيقه كان ممسكا بخنجر مُسنن من الطرف الداخلي وأملسا بطرفه الآخر ، جَحظت عيناها وهو لا يزال بذات الوضعيه ثم ما لبث أن تحدث بكلمات غير مفهومة : 
“ في بداية يوم جديد ، سنكون معا للأبد ، لن نَفترق !”

رفع رأسه واتسعت ابتسامته بينما احتضن قدماها المكبلتين لصدره “ ستقومين بفعل ذلك جميلتي ، وحينها ..“

رعشه تملكت جسدها وهي ترى الخنجر اللامع ، سيقتلها سيقوم بالانتحار معاها ، لم تكن تعَي ما ينطق به من كلمات ، ترى شفتيه تُطبقان مصدره هسيسا ، دفعت بجسده بعيداً عنه وصرخت لعل شخص ما بالجوار يَهُب لإنقاذها !

“ صوتك غير مسموع ، أتعلمين أين نحن ؟ “ 

لم توقف صرخاتها رغم حديثة البارد “ في المكان الذي أدخلني السجن وأطلقك حرة من جديد “

جَفت حُنجرتها وتوقفت محاولاتها في التخلص من الحبل ، ليخرج صوتها غير مُصدقا 
“ من المفترض أن تكون مجرد أرض جرداء !”

“ كاذب “
“كاذب “ 
“كاذب “

تدفقت تلك الكلمه وأصبحت صدى يتردد ، ستموت في ذات المكان الذي ابتدأت فيها معاناتها ياله له من منطق مُقرف !

التوقيت 11:22 

أوقف سيارته بعيدا عن المزرعه ببضعه أمتار لن يُجازف في هذه المرحلة ، وألقى معطفه بداخها ويرافقها ربطه عنقة السوداء ، تتالت خطواته في وتيرة سريعه مقتربا من منزل أحلامه المُستقبلي لازال البناء في مراحله الأولى كُثبان من الرمال متفرقه بنصف إحاطه ، وأطنان من الأخشاب والطوب الأحمر صامتة في هذا الحضور .

التوقيت 11:25 

نهض من الأرض الاسمنتيه وركع على ركبتيه يتأمل آخر االحظات التي تجمعهما سويه صرخاتها كنغمة موسيقية لأُذنه ، كم يتمني أن يرى دموعها أن يُزيح تلك الخصلات المتمردة ويَنعم بلحظة قُرب لِيُقبل جفُني عينيها حين تبكي ، امتدت يداه والأفكار تدور برأسه ليمسك بعُنقها يَضيق الخناق شيئا فشيئا ، يراقب جحوظ عينيها تخبط يديها المُكبلتين محاولاتها الهائفه والدموع التي انسابت أخيرا مُعلنة رضوخها لأمنيته ، تركها تصارع فاجعه رئتيها للهواء وسُعال متكرر شعرت به الأخرى يُمزق حنجرتها كاد أن يكسر عنقها ، متى سينتهي كابوسها ؟!

التوقيت 11:30

التقطت رئتاه المنهكتين الهواء حين توقف بالقرب من الهيكل المبدئي للمنزل المستقبلي ، وبخطوات حذرة بدأ بالتسلل وإن كان مُحقا باستنتاجاته فإن هيا لا تزال حَيه !

هدوء جزئي طغي على لحظة الحقيقة فيما عيناها تتفحصان المكان بخفة وتعودان في ثانية للشخص الجالس أمامها وابتسامته لا تزال ذاتها ، تلك الابتسامة المُقيته التي تُشعرك بأن لا فرار من الواقع ، تلك القطرات المتساقطة على فترات متباعدة تُبقي ذِهنها صافياً ليستوعب كمية الحقائق المُفجعه في خلال الساعة الماضية !

اجتمع حاجبيه في لحظة انزعاج لانشغال تفكيرها عنه ، يحتاج أن يحفر وجوده بداخلها ، أن يستعمر كل ذرة منه ، أن يصبح كفيروس ينهشها من الداخل أن يدمرها ولا يُبقي شيئا يَصُلح للإنقاذ ، إن كان مُعترفا كمجنون ومجرم فلما لا يُنهي أكبر جرائمه ؟!

حفزته تلك الأفكار لترك أثر يدوم على جسدها مكان ظاهر فريد ، أقترب بهدوء على ركبتيه والتقط الخنجر الساكن بجوارها ليُحرر يديها من الأسر ، انكمش جسدها من قُربه ومن طريقته في تحريرها ، فقد مال بجسده نحوها واحاطها بذراعيه ليقطع الحبال بحركه سريعه ، ولكن في اللحظة التالية جَمد الدم في عروقها وأطلقت صرخة ترددت كصدى طويل .

لن يَتركها ترحل ، تناول ذراعها الأيسر وبسنتيمترات قليلة بعيدا عن المرفق أنقض بأسنانه يَغرِزُها في لحمها وصولا للعظم ، لم يتوقف رُغم صرخاتها وزاد في غرز أنيابه إلى أن ذاق طعم دمائها في فمه متلذذاً بمذاق من المرارة والحلاوة النادرة ، بينما تمتع بلحظة ملامسته لجلدها شعرت هي بلوعه في معدتها تُسرع بجريانها لحنجرتها لتطلق صرخات جديدة تعَلم بأن لا أحد يَسمعها ، سيلان لُعابه على بشرتها يُقززها وأسنانه المُنقضة على ساعِدها تؤلمها وكلما حاولت دفعه بيدها الحرة يُجدد من قوة إحكامه ، إلى أن شعرت بدمائها تُستنزف تحت نظراتها المُرتعشة إنه مُفترس لاحم !

تخالطت أنفاسه الزافرة من بين شفتيه بلعابه الذي استوطن بشرتها وامتزج بدمائها ، ارتعاشه مرت بجسده كاملا إثارة لم يَذق مثلها سابقا ، يرغب بالمزيد صرخات أعلى وعلامات أكثر عليه أن يحطمها أن يَترك خلايا دماغها عاطلة عن العمل أن يُصبح هو المحور إلى أن تحين ساعه الصفر ، بقبضه من حديد أمسك بمرفقها ولَعق بلسانه جرحها الغائر لم تكن لتحاول حتى أن تحاربه لقد أُنهكت وخارت قواها !

كانت تُنظر له بعينين خاويتين والدموع تشق طريقها كعادتها ، لم تَعد تملك القدرة على الصراخ حنجرتها تحترق ، ظمأه ومتعبه ، مال رأسها قليلا للناحيه اليمني لتلمح ظل شخص ما !

التوقيت 11:35

جولة جديدة من الصمت ، أمامها يجلس القرفصاء ممسكا بساعدها بإحكام يراقب تدفق البركان الأحمر الضئيل ، نسائم باردة تصفع وجنتيها ولا يوجد أحد هنا ليحررها وإن كان إحساسها بالوقت صحيحا فإن منتصف الليل أقترب ليُعلن عن صباح جديد .

“ همم ، لقد بدأ العد التنازلي يا جميلتي ، قريبا ستتحررين من هذه القيود من هذا المجتمع وتصبحين لي دائما وأبدا “

اخترق صمت المكان بهذه الكلمات بينما ما تزال هي على حالها ، خائرة القوى دمية فارغه لتبقي دموعها هي العامل الوحيد الذي يؤكد رفضها لكل مما يقوله .

“ كان من المفترض أن تكوني الآن بين أحضان زوجك العزيز ، ولكنك معي تقضين كل لحظة في محاولة يائسه للخلاص ، ولكن خلاصك يقبع في طريقة واحدة .. “

جذبت تلك الكلمة المبتورة انتباهها لتلقي بنظرة متسائله نحو وجهه الخالي من التعابير ولكن حينما تعانقت نظراتهما لثانية ابتسم تاركا تلك الكلمه تسبح في المحيط الخالي ، وكخيار لا مناص منه بالنسبة لها ..

“ عليكِ بقتلي !”

(10)


“ كان من المفترض أن تكوني الآن بين أحضان زوجك العزيز ، ولكنك معي تقضين كل لحظة في محاولة يائسه للخلاص ، ولكن خلاصك يقبع في طريقة واحدة .. “

جذبت تلك الكلمة المبتورة انتباهها لتلقي بنظرة متسائله نحو وجهه الخالي من التعابير ولكن حينما تعانقت نظراتهما لثانية ابتسم تاركا تلك الكلمه تسبح في المحيط الخالي ، وكخيار لا مناص منه بالنسبة لها ..

“ عليكِ بقتلي !”

التوقيت 11:40 

“ لا “ خرجت كلمتها الوحيدة بصوت منهك ضعيف ، لا ترغب بأن توصم كقاتلة يكفيها كونها مشوهة أتصبح أيضا متهمة بجريمة !

شد ساعدها باتجاهه واقترب يستمع لهمس أنفاسها ، ضربات قلبها يستطيع الشعور بها من خلال الشريان الذي ينتصف ساعدها في هذه الساعة إنه يمتلكها أمانيه تتحقق الواحدة تلو الأخرى .

استمر رفضها رغم ضعف أحبالها الصوتية “ لا يمكنني فعل ذلك ، إنه الجنون بعينه !”
“ إلياس عليك بالتوقف ، ما يحدث هنا غير صائب البته ، لقد أصبحت متزوجة ، وجودي أصَبح لشخص آخر ، لذلك … “

تابع بنغمة مُريبة “ تريدين مني أن أحررك ! “
“ بعد كل تلك المشاق التي خضتها لأجلك بالماضي وبهذه اللحظة ، لا تزالين ترغبين مني بأن أتركك وأرحل !”

رجفه اعترت جسدها لدقيقة ثم عادت لتدافع عن موقفها عليها أن تتوصل لحل ما ، وإلا فالنهاية كما خطط لها : “ إلياس ، حاول أن تتفهم موقفي ، هذه ليست المرة الأولى التي أقوم برفضك الآ تتذكر ، دعني أعش حياتي أنا حقا لا أبالي ب .. “

فض ساعدها من يده بقوة أجفلتها ونهض بخفة يراقب بتوجس المخرج الواقع عن يمينه ، ابتعد بخطوات قليلة ثم عاد بنظراته نحوها دون أن يتزحزح عن مكانه “ إنه هنا بالفعل !” 

اتسعت عيناها دهشه فالخيال الذي لمحته لم يكن وهماً ، زمت شفتيها بقوة تمنع خروج اسمه لا ترغب أن يتورط بشكل عميق يكفي ما أحدثته من ضرر ، بسببها فقد الكثير ولا زال .. !


التوقيت 11:45

استنشق إلياس الهواء لصدره حتى يتمكن من أن يصبح صوته مسموعا بما يكفي ليُثير غَريمه للخروج ، وصرخ جاهراً بكلماته :
“ هاقد جمعتنا الأقدار مجددا في ذات المكان ، دائما ما تأتي النهايات في ذات البدايات !”

لم يتوقف عن استفزاز المُتخفي عن الأنظار ، ليتخطى متراجعا بضعه خطوات نحو هَيا وظهره يعاكس المنفَذ .

“ أبقي مختبئا وراقب ، لا تَعلم قد أسرق قُبلتها الأولى ، وقد أغرز خنجرا نحو قلبها ، لا بل من الأفضل أن ترى عجزك عن إنقاذها لحظة توسُلها للإعفاء عنك !”

شعرت بالاختناق وهي ترى إلياس يتقدم بثقه ولسانه يُرطب شفاته العليا ، سيقوم بفعل شيئ أحمق لا بل إنه يَبعُد كل البعد عن الحُمق ، سَيُنفذ تهديده حقا !

لم تتمالك نفسها ونطقت بزلة لسان اسمه بصوت مختنق ضعيف “ شادي “
ضحكة هِستيريه صدرت عن إلياس عند سماعه للأسم الذي أضرم نيران الغيرة والكراهية بقلبه من جديد “ ألم تسمع ، للآن تستنجد بأسمك يالها من مهزلة مصِيرها يقع بين يدي مع هذا لا تزال تطلب حمايتك !”

شَعر وكأن العرق الضاخ بصدغه على وشك الأنفجار ، يعلم تماما ما هي لعبته إن بقي مُختبئا فإنه سيؤذيها ، وأن أظهر نفسه فإنه لن يتواني عن إردائه قتيلا ، خياراته قليله ولكنه متأكد من أن خياره الدائم ستكون هي وإن كان على سبيل حياته !

اقترب منها بدرجة تُثير السقم مُكبلا يديها بقبضة واحدة مصدرا نغمة لدقات xxxxب الساعة “ تكَ توكَ ، تكَ توك َ “

تكَ توكَ !
تكَ توكَ !


التوقيت 11:50 

إنها عاجزة عن الإفلات جسدها قد شُل عن الحركة ، ومقاومتها لا طائل منها لأن المفترس الذي يقترب ليسرق عذريه شفتيها لن يتردد في التمادى لإمتلاكها لن يهتم ، فصرخاتها لا تُجدي نفعا وقوته الجسديه ستطيح بها أرضا في دقائق ، تنحت بوجهها جانبا لتفاديه ولكنه بيده الحرة أمسك بفكها وثبتها لتُقابله ، لتُشاهد اللحظة وتتذكره كلما لَمحت الرغبة في ذاتها للإقتراب من شخص آخر غيره .

“ إلياس إياك ! “ صرخ بتلك الكلمات بعدما خرج من مخبئه واقترب من مكانهما ليوقفه الآخر بإشاره من سبابته .

تجاهل عيناها اللتان تعلقتا أملا ورغبه بمُنقذها وهمس بكلماته في أذنها “ شاهدي نهايته ، حطمته المرة الماضية لكن الآن سَيُدفن تحت الثرى ، لذا اسمعيني صوتك الشدي مُطالبا إياي بالإعفاء عنه ، اسمعيني وعَدك بقتلي أنتِ ، ولا أحد غَيُرك ! “

هدر ساخطاً من قُربه لها ومن ملامساته المستمرة “ إلياس ، ابتعد عنها دعها وشأنها “ 
جَمُدت لدقيقة ثم عادت تتفحص ملامح الجدية المرتسمة على وجهه منذ متي أصبحت لديه الثقة التامة بحديثه ؟ بأن طلباته ستكون مُجابه ، أيعَلم بمقدار رغبتها بحمايته أُيدرك حقا !

“ إذن ؟ “ حثها بصوته الهامس وهو يحرر قبضته تاركا يديها .

نظرة خاطفة ألقتها نحوه لتشحذ بها شجاعتها ثم همست بصوت خانع “ دعه وسأنفذ رغباتك “

“ همم ، لا هذا ليس بكافٍ “ هز رأسه مبتعدا ، وإن توسلت للإبقاء على حياته فلن يقبل لن تهدأ البراكين المستعره بداخل صدره إلا بقتله ، فهو السبب الرئيسي في تعفنه بالسجن طوال 8 سنوات وتخلي والده عنه حين الإعلان عن شريط الفيديو الذي أدانه أمام المحكمة بالجرم المشهود.

التوقيت 11:51

فتح ذراعيه مقتربا من شادي ليلوح بهما بالمكان “ من كان ليظن بأنك ستُعيد إنشاء هذه الخردة ، حينما تحولت لحطام ترغب بإعادتها لجنة ، كف عن لعَب دور الفارس بالدرع اللامع !”

“ إلياس ، كف عن ذلك أنا أرجوك “ كانت كلماتها ضعيفه ، تختفي أثر صرخاته ولا تصل لأذنيهما ، إنها عاجزة عليها أن توقفه قبل فوات الآوان .

كتف الآخر ساعديه فيما راقب المعتوه الواقف أمامه “ اعفني من حديثك السقيم ، فلا يوجد شخص يوازي تخَلفك العقلي ، لقد كنت تخطط لفعل ذلك منذ دخولك للسجن أي عقل تملك ؟

بل أي قدرة مَكنتك من تقَبل فكرة العيش كذليل خلف القضبان فقط لتهرب منها !؟”

“ أخَرس ، أخَرس ، لا يمكنك التحدث وكأنك تعَلم بما كان يجول بخاطري ، بل حتى في أبشع خيالاتك لن تدرك ما مررت به لأصل لهذه اللحظة ، أنت لا تملك الأحقية بإمتلاكها “ هتف بجمله سريعا قبل أن يُخرج مسدسا من خلف ملابسه ويوجه فوهته نحو شادي وبدقه نحو رأسه .

منظرهما وهما يتقاتلان لم يكن ليقع ضمن الأحداث المتوقعه ، إنهما يعيدان تكرار ما حدث بالماضي إن كانت البدايات تؤدي لنهاية واحدة فما تتصوره سيحدث عاجلا غير آجل عليها أن توقفه حتى وإن اعترضت القتال المحتد ، لمحت الخنجر القريب من مكانها واستلته بخفه لتحرر قدميها المُكبلتين ولكن قبل أن تنهض كان صوت إطلاقٍ لعيار ناري هو الأسرع !

لم يكن صوت تلك الطلقة هي الوحيد فما تبعه كان كتتالي إطلاق إلى أن صدر صوت تَكه تدل على نفاذ الذخيرة ، لم تستطع أن ترفع رأسها لوهلة ، إنسابت رائحة البارود لجيوبها الأنفيه جاعلةً من شكها يقينا ، لتجد بأن جسده يتوسد الأرض وتلك الإضاءة الخافتة تُشيعه حزنا ، أصبح جُثة لتبتلعه الظلال ..

آهه ، مرة أخرى .. 
قام بفعلها سحق أحلامها ، قتل رغباتها ، حطم الأمل الأخير في حياة طبيعية !

بدونه تُصبح ناقصة ، أُحجية غير مُكتمله ..

التوقيت 11:55 

هَمست برُعب “ شـــادي “ !

أناملها باردة وأنفاسها معبقة بالرطوبة ، لقد حررت نفسها فلماذا لا تتحرك قدماها نحوه ؟ 
دموعها المنسكبة بحرارة على وجنتيها ألا تزال تحاول أن تخفف وحشتها ، ألم تجفَ دموعها بعد؟
ترغب بالصراخ ، أن تنادي باسمه حتى يستفيق ، أن تحتضن جسده لصدرها علها تُشيع بعضاً من دفئها له ، ولكن ..

صوت أنفاسٍ منهكة جذب انتباهها ، لم تُطل بالنظر لذلك الجسد المهتز إثارة والذي يُلقي بنظرات منتصرة قاذفا بالمسدس في مكان بعيد لا تصَل لها يداها ، تجاهلته آملة أن ترى جزءاً يتحرك يُثبت لها إستحالة ما وقع للتو !

“ لم يَكن عليه المجئ ، لقد حفر قبره بكلتا يديه “ انتشلتها كلماته من دعواتها ، لتجد مُفترسها يُخرج خنجرا يماثل ما وقع بين يديها .

تنبهت بأن الخنجر لا يزال بين كفيها التي نضخت بالعرق ، ارتفعت يداها دفاعا ليتوسط الخنجر بينهما ، نظره هازئه من عينيه كادت أن تُحطم قوتها ولما لا فهي ترتجف بقسوة ما يحدث هنا كثير جدا عليها . 

“ لقد حانت الساعة ، سأُخلصك من تلك القيود وستصبحين لي “ اقترب بهدوء مُقلق ولسان حاله يُنغم ذات الصوت ..

تَك توكَ ..
تكَ توكَ ..

التوقيت 12:00 

تصاعدت الدماء في ثورة لرأسها ، رؤيته مُقتربا ونصل الخنجر يلتمع مع كل حركة يقوم بها يزيد من فرص احتمالات موتها قبله ، نظرة هاربة وقعت على جثته الهامدة بلا حراك لتُعيد حساباتها مجددا فمن المستحيل أن تنتقم من شخص فاقد لعقله ، صوت خطواته المتثاقلة يتزامن مع وقع حذائها على الأرض الاسمنتيه التفتت تحاول إيجاد مخبأ مؤقت ولكن الفراغ المحُيط بها أعلمها بأن لا فائدة من التحديق بالأرجاء ، هذا الجنون عليه أن ينتهي .

نغمة لم تأَلفها خرجت من حُنجرتها خانعة لمؤثرات عاطفتها المهتزة “ إلياس تعقل قليلا ، وعدك مُستحيل لا يمكنني قتلك ! ، جَد لك فتاة أخرى تُحبك لما أنت عليه “

ضحك بصخب مُقاطعا حديثها “ فتاة أخرى ، لن أقبل بغيرك ، وأي تَعقُل تتحدثين عنه لقد فقدت الاحساس بالوعي منذ دخولي للسجن ، وبما أني مجرم فسأُكمل جريمتي الناقصة .. الآ وهي 
الوقوع في حُبك ، وامتلاكك !”

صرخت وهي تصُم أذنيها عن حديثه قائلة “ يكفي ، ما نوع حَبك لي ؟ ، لم يعد هذا الحَب مقُبولا لقد تخطيت حدودك لقد أنهيت حياة شخص للتو، لقد قَتلت زوجي ، أنت لم تُحبني يوما بل رغبت بامتلاك ما لن تَحصل عليه يوما ، لقد أردتني كدمية لك كالبقية تماما ! “

“ لقد قَتلت زوجي ، قَتلت شادي الشخص الذي حماني طيلة فراقنا والذي أنكر كل ما يمت بصلة للماضي ، لقد أحبني أكثر من أي شيء آخر ، أحَبني أكثر من حياته ، ما تملكه أنت بين أوردتك ونبضات قلبك ليس حباً ! “

“ أحقا ذلك ، ما يقبع في قلبي ليس حباً ؟! “ تساءل بصوت مُنكسر ولا زال يتقدم بخطواته .

“ طيلة تلك السنوات الماضية لم أكن أفكر سوى بك ، لم يَهمني ما يحدث لي طالما سأمتلكك يوما ما لم أهتم بمال أبي أو بمكانتي الاجتماعية ، وطبعا لم أُبالي بما فعلوه بي لقد حُولت لمسخ بعد أن قاموا بتشويه وجهي وضربي لليالٍ لا أعلم عددها ، لم أكن أملك سوى ذكرياتي عنك . “

صرخت مجددا ، وتلتها صرخات عدة “ توقف ، لا أتمني سماع قصتك ، لا أجد سببا يدفعني للشفقة عليك أو أن أحُبك ، إني أكرهك من أعماق قلبي .. “

زم شفته السفلي مستمعا لصدى جملتها الأخيرة “ إني أكرهك من أعماق قلبي . “

تراقصت كلماته المنُطلقة برفقة صدى صوتها “ إذن اقتُليني “ .

هزت إعتراضا إلى أن اصطدم عمودها الفقري بالحائط ، وأصبح إلياس مقابلا والبعُد بينهما سنتيمترات قليلة.

همس بلطف غير معهود “ الأمر بسيط ، فقط اغرزي نصل الخنجر بصدري ، عليكِ فعلها !”

ظلت بلا حراك ليُمسك بيدها موجها إياها لصدره وبالتحديد قلبه المُضطرب ، صوتها الباكي تخالط مع نواح مؤلم “ لاآآ ، توقف لا تفعل هذا بي ، أرجوك إليـــاس !”

التقط نفسا طويلا قبل أن يبدأ بغرز رأس الخنجر بيده الممسكة بيدها التي تحاول الإفلات من مصير مرعب ، ابتسم بألم قبل أن تُهاجمه موجه سعالٍ حادة لتتلون شفتاه بالأحمر القاني .!

(11)


التوقيت 12:5 

شفتيها ترتعشان ، لقد تم تلويثها للتو ، اصطبغ ردائها المماثل لبياض الثلج باللون الأحمر ، دمائه احتلت الجزء الأكبر تماثلا لزهرة مُتفتحه !

أصوات إنذار تقترب ، ولكنها لا تستطيع الهروب عيناها شاهدت ما لا يجب على إمراة شابة أن تراه ، لقد اخترق خنجرها صدره يداها دبقتين ، حرارة تُحيط كفيها رغم برودة كل جزء من جسدها ، وقبل أن تتمكن من لفظ كلمة اعتذار كان صوت إطلاق عيار ناري يسبقها وإهتزاز جسده يؤكد بأنه المُستهدف ازداد ضغط وزنه الواقع فوقها مما سبب وقوعها أرضا لتُغرز الخنجر بشكل أعمق .

دفعت جسده بعيدا عنها بكامل قوتها وعدلت من وضعية جلوسها لاهثة ، اقتربت منه لتستعلم نبضة أن تخُبره كَذبا بأنه سينجو ، وأن الحياة لا تزال تملك له فرصاً لتصحيح فعلته ، لكن كل ذلك ذهب أدراج الرياح حين وجدت عينيه جاحظتين فاقدتين للمعان النابض للحيوية ، بسبابتها والوسطى استشعرت شريانه الودجي الرابض برقبته ولكن السكون هو ما أجاب عن تساؤولها دفعت بجسدها بعيدا عنه !

“ لا يُعقل ، لا .. لا ، لقد مات ! “ 
“ قَتلته !! “ تمتمت جُملها غير مُصدقة بخفة احاطت بذراعيها ركبتيها، ضامة إياهما لمعدتها غارقة بنوبة بكاء حادة ..

خطوات متفرقه في أنحاء عدة ، ولكن هنالك صوت قريب للغاية أنفاس مُتثاقلة وهمس آخر 
“ هَيا ، أانتِ بخير ؟”

ارتابت في صوته لقد فقدت عقلها ، نعم يُخيل إليها بأن شادي يقف أمامها وعيناه اللتان تتفحصانها بعناية ترغبان بإجابة تَبُث الراحة لقلبه والقلق المُرتسم على وجهه مجرد وهم تُداري به عَظم فعلتها !

تحدثت بخوف من أن تُفتضح “ شادي ، لقد قَتلته “ ثم أشارت لجثته الغارقة ببركة دماء مُتسعه تغرق ما يجاورها بطوفان مُمتد “ لقد أمرني بذلك ، رفضت لكنه لم يُصغي لي ، أمسك بيدي .. رأيت الخنجر يغوص .. أنت مُت أيضا قتلك بمسدسه ، لم تعَد لي ، لم تعَد .. ملكاً لي “ 

في ثانية كانت تتحدث بلا هوادة تطلق جُملها كأمر مُسلم به ، وفي الثانية الأخرى خُرست بسبب الرابض بجوارها ، تنهد بصعوبه بعد أن تأبض الأرض بجلسته وخلع سترته برعونه ليُخرج صدريه ضد الرصاص ثم بحديث مُحبب هادئ “ ما زلت ملكاً لك ، وما تزالين لي ، وأنتِ لم تَقُتليه بل المُسدس الذي أفرغت نصفه للتو فعل ذلك “.

إنها تُحبه أكثر مما يُخيل له ، وفوق ما تستطيع أن تتحمل ، تحرك جسدها باتجاهه غير آبه بصدره العاري ولا بالدماء التي تُغطيها احتضنته وغمرت وجهها المُلطخ ببُقع متناثرة في المساحة الواقعه بين كتفه وعنقة لتستمر بنواح طويل ، امسك بسترته وألقاها فوق رأسها وربت على ظهرها كطفلة تحتاج للمواساة ، بينما تسابقت خطوات أخرى مُقتحمة الوضع لبدء تأمين الضحية وتحليل وضع الخاطف المقتُول .!

التوقيت 5:30 فجرا تحديداً في المشفي ..

“ تمت مُعالجة جروحها للآن ، ولكنها في حالة صدمة مؤقته ستحتاج للكثير من الراحة قبل أن يستطيع أي منكم مُقابلتها “ وجه الطبيب المسؤول عن الحالة خطابة القصير للعائلة القلقة آملا في زرع القليل من الاطمئنان بقلوبهم المرتاعة .

أسرعت منى نحو الطبيب دون أن تعبأ بما أخبرهم به “ أيمكنني رؤيتها ؟ “

هز رأسه نافيا “ إنها نائمة لقد حقناها بإبرة مهدئه ، ووجدنا أثار إنسحاب لمخدر في جسدها لذلك فهي لن تستيقظ بالقريب العاجل “ .

كادت أن تسقط حرفيا ولكن يدين قويتين حالت دون ذلك ، ارتفعت نظراتها نحوه قائلة “ خالد طفلتنا الصغيرة ، لا أكاد أصدق ما حدث لها ، ماذا لو لم تتعرف علينا مجددا ؟! “

هدأ من انفعالها بحديثه الواثق “ لا تقلقي ، المهم أنها بخير ومتأكد من أنها ستتذكر والدتها هذه المرة “ .

في ركن آخر كانت لُجين تحاول أن تحبس رغبتها بالبكاء ، هربت من مواجهة عمها وزوجته ومن والدتها ، صديقتها الوحيدة في حالة يرثى لها وهي عاجزة عن تقديم المساعدة يالها من صديقة كان عليها الانتباه أكثر ، أن تبقي بجوارها لربما لم يكَن ليحدث كل ذلك ! 

“ لُجين “ 
تسابقت عينيها في النظر قبل أن يلتفت كامل جسدها نحوه ، إنه كالمغناطيس بالنسبة لها قُطبها الشمالي دوما غير قادرة على الإفلات ، أو الاعتراض لقد وقعت بالكامل ولن تستطيع انتشال قلبها الغارق من هذه الحالة المُستعصية ، ظلت صامتة تُراقبة منتظرة كلماته التي تُطرب أُذنيها ولكنها شَهدت أمرا أخر ، ابتسامة ساحرة وذراعين تُرحبان بها .

خطوة ، خطوة ، تحولت لهرولة بإتجاهه امتدت راحة يديها لتلمس ذراعيه وصولا لعنقه تاركة لدموعها حرية الإفلات ، شعر برطوبة تلامس خده ليُحيط بذراعيه خَصرها 
ويهمس قائلا “ إنها بخير ، قُمنا بما أمكننا حاليا ، لا يَقع اللوم على أي كان وبالتأكيد فهي لن تَلومك ، إنها تعلم جميعنا نعلم أن ما حدث الليلة الفائته لم يَكن متوقعا ولكنه انتهي على خير ما يُرام “.

هزت رأسها إيجابا “ هممم “ .

في غرفة أخرى حين تمت مُعاينته من ذات الطبيب ، بعيدا عن اضطراب العائلة اخبره بتفاصيل مُقلقه زادت من أوجاعه ، تجاهل الرضوض المتعددة وطلب من الطبيب الاهتمام بطريقة ما لصرف البقية حتى يتمكن من معالجة الأمر ..

“ لقد تأذت حبالها الصوتية وبسبب الصدمة فهي لا تستطيع النطق لفترة من الوقت ، يُرافق ذلك أثار عض عميقه المعالم في ذراعها ، ومما يبدوا فإنها ستعاني من الأرق والسرحان غالبا “ .

إنها غارقه في ظلام تام ، هدوء غريب يجتاحها من الجميل بقائها كهذا لا تُعاني ولا تسبب الألم للآخرين ، ولن يؤذوها بهذه الطريقة ، فقط ستظل قابعة داخل الظلال السوداء ، قطرة ماء لامست جبهتها تلتها أخرى ، صوت أخر ..

“ تَك توكَ ، تكَ توكَ ..
تكَ توكَ ، عليكِ بقتلي ..

سأحررك من قيود المُجتمع ، ستكونين لي للأبد ، لأنني أحبك !” 

جسد يتحرك بإتجاهها يُغلفه السواد يحمل خَنجرا ، تراجعت للهرب ، حاولت الصُراخ ولكن لا صوت يَخرج ، لا يوجد مكان للإختباء ، أعادت النظر لتجد بأن المسافة قد تقَلصت ، خطت للخلف ولكن عائق ما منعها من التحرك ، هنالك غرض ثقيل تحمله يداها موجهه للأمام حدقت به جيدا ما كان سوى الخنجر ذو النصل اللامع ..

في ثانية امتلأت أصابعها بالدماء القانتة ، أنفها تغضن برائحة العرق المُختلط بدمائه المتجمدة بين راحه يديها ، اتسع بؤبو عينيها وهي ترى الخنجر مُستقرا في الجسد الأسود .. 

“ ستكونين لي ، ستموتين معي “ نطق أخيرا بكلمات يعتبرها أمرا جلياً ، بينما الرعب تَملكها لا يزال حياً لم يَمت ..

لا تعلم كم من الوقت قد مضى وهي تراقب ذلك الجسد وهو يُعيد تكرار جُمله ، مرة بعد مرة 
“ أنتِ لي ، أحبك ، لأنني أحببتك أولا ، اقتليني بيديك ، عليكِ بقتلي “ .

تصرخ مراراً وتكراراً ولا يَصل لمسامعها سوى صوته ، تحاول وتفشل في كل مرة ، لم تَعد تستطيع إستشفاء الوقت ، لقد مر وقت طويل تشعر بأنها قَضت نصف حياتها عالقة هنا ..

“ هَيا ، الآ تزالين تَحُلمين ؟ “ 

صوت آخر قادم من مكان بعيد رفعت رأسها ببطء تستمع بإنصات ليُتابع برجاء مختبئ ضمن أحرفه ..

“ ألن تعودي لي ؟ “
“ لقد انتهي كل شيء لم يعد هنالك ما تقلقين لأجله ، الجميع يفتقد وجودك بالأرجاء ولكني أفتقد ابتسامتك . “

أطبقت شفتيها وزادت باحتضان جسدها بعمق الظلام ، ترغب بالاسيقاظ من هذا الكابوس ولكن ما الوسيلة ، ما أمامها يأبي أن يبتعد إنها ملزمة على البقاء كدين يجب الوفاء به ستبقي مُرغمة .

“ ما حدث كان دفاعا عن النفس ، لقد أقرت الشرطة بالأمر ومن جهة أخرى فإلياس كان سيموت بكلتا الحالتين ولكنه أختار العامل النفسي الأسرع أن يُقتل على يديك ، أراد تحطيمك من الداخل أرادك أن تتذكريه ، حقا لا أعلم ما يتوجب على قوله ولكن أنا أرجوك .. “

تحركت شفاهها بلا صوت تُحاول نطق اسمه ، ولكنه كان الأسرع بإدراك حاجتها “ عودي لي ، لقد مللت من انتظار يوم تُشرق به ابتسامتك “

اختطفت نظرة سريعه للجسد المتهاوى أمامها وبركة دماء قد بدأت بالتكون ، اتسعت البركة شيئا فشيء تقترب منها على عجل بينما راقبت بعينين مُتسعتين تحول البركة لبحر هائج يحاول إبتلاعها ، لم تُحرك إنشا من جسدها لتقبل موجة عاتية انقضت عليها بجزء من الثانية . 

كان يوما اعتيادياً يزورها ، يُلقي بضع جمل على مسامعها ويحتضن يديها الباردتين ضمن كفيه لربما تتعَرفهما وتستيقظ من نومها الطويل لقد أقنع والديها بعد محاولات عديدة بترك العناية بها يُدرك صعوبة مواجهتها لوالديها في حين أنها تختبئ بمكان لا يصله البشر ، ليمضى ما يقارب الأسبوعين منذ الحادثة وهي لم تستفق ، يَعلم بأنها أرادت الهرب من هذا العالم ، ومن أقاويل لا تنتهي ، ومن ذكرى متوحشة استوطنتها ، هي ليست بغيبوبة ولكنها تأبي الاستيقاظ كما لو أنها أصبحت هاوية للأحلام يُلاحظ استيائها وعقدة متكورة بين حاجبيها ، ويُعيذها بالمعوذات لتعُود لنومها المُسالم ولكنه هذه المرة قد نال منه السأم ، ليهمس بحنين عن مدى رغبته بعودتها .. 

لم يُلاحظ أي تغيير ليتحضر للرحيل ، ولكن كان لها رأي آخر حيث بدأ جهاز قياس نبضات القلب بالطنين بشكل متزايد مما جعل الممرضة المسؤولة تهرع لمريضتها متسائلة عن الخطب الواقع ، وقبل أن يتحدث أو يُطلق تفسيرا لما حدث ، كانت شهقة عالية تَصدر عنها كمن خرج من جوف بئر لا قاع لها وعيناها يقَظتين تُحدق بسقف الغرفة .!

أسئلة الطبيب كانت اعتياديه ولكنها لم تكن لِتُجيب ، مُعتقدة بأن صوتها لن يُسمع كما في كابوسها عيناها تريان الألوان مجددا ولكن هنالك شيء مُبهم فيما تراه ، تائهه ، لا تبدوا الأشياء في مكانها الصحيح ، لقد بقيت في الظلام لوقت طويل ، أجل ، لم تعد تدرك العنصر الضائع منها .

“ كما أخبرتك مسبقا ستحتاج لفترة قبل أن تعاود حياتها بشكل طبيعي ، إدراكها لا يزال ضعيفا والصدمة ما تزال أثارها واضحه ، عليك بالصبر “ ألقي الطبيب بكلماته على مسامع شادي قبل أن يُغادر ويتركه مع زوجته .

رأها هشه ، تُحدق بالأفق من خلال النافذة ، بشرتها ذابلة عيناها خاويتين ، يخشى أن يُنسي أن تطمر ذكرياتها عنه مجددا إنه خائف ولأول مرة يعترف بذلك ، تشجع لينادى باسمها : 
“ هَيا ، أتتذكريني ؟ “

لم تلتفت نحوه ولم تَهُز كلماته الرنين داخل رأسها ، أعاد بصوت عالٍ قليلاً : 
“هَيا ، انظري لي ، ألن تعودي لي ؟ “

رجفه اعترتها لاحظها بكل سهولة ، لتستدير بكامل جسدها نحوه وتُلقي بنظرة مطولة ثم بخفة إبتسامة واهنه وهمس ضئيل : 
“ سأعود لك دائماً “ 

قبل أن تُكمل حديثها وجدت نفسها بين أحضانه ، التى كانت تُضيق الخناق على أنفاسها جاعلة من التنفس مهمة صعبة ولكنها تَعلم بمقدار قلقه لذا مسدت شعره وهمهمت بهدوء كترنيمة تُخفف بها من رعشة جسده ، إنها بخَير ، بوجوده هنا هي بخَير . 

قبل أن ينتشر الخبر وتصدح الاحتفالات ، كان هنالك خبر آخر سيتصدر قائمة الوفيات في صباح الغد ، لقد انتهي آخر فصل من حياتها بارتباط حفيدها بفتاة أحلامه ورغبتها المتأخرة قد حققتها ، غادرتها الروح وهي نائمه في منزلها الذي احتوى ذكرياتها مع زوجها الراحل وحفيدها ، والآن ستتركه لنبيل ولُجين ليكملا ملئه بذكريات تخُصهما . 

آهه ، لقد عاد وحيداً !

الفصل الأخير..

(12)


مضت 3 أيام لتنتهي أيام العزاء ، والد نبيل سافر في نهاية اليوم الأخير تاركا نبيل في حالة وحشة قاتله بمنزل فارغ يتردد به صدى الصفير، تحرك بشكل آلي نحو غرفتها التي تضم أشيائها ليُشيع آخر ذكرياته معها حزنا ووداعا .

بعد أن انتهت لُجين من آخر زوارٍ جاؤو لتقديم التعازي أصرت على والدتها أن تبقي لفترة من الوقت بجانب نبيل في محنته ، وبالرغم من محاولة والدة لُجين في ثنيها عن البقاء إلا أن اصرارها في مساندته تغلب على مخاوف والدتها، كان باقيا في غرفتها يستنشق عبير رائحتها ، لقد تركته هي الأخرى لم يعد لديه أحد في هذا العالم ، هاهو يَذوق من ذات الكأس للمرة الثانية ، تربع بالقرب من سريرها واضعا رأسه بين الأغطيه المُبعثرة ، لم ينتبه لحضورها لتربيتها على كتفه ولم يُلاحظ دموعه المتساقطة ألما على فراق والدته الوحيدة .

لم تتَحمل لُجين منظره لتجلس فوق السرير مُمسده رأسه قائلة : يُمكنك البكاء ، سيُريحك كثيرا ، ولهذا اليوم يمكنك أن تبكي بقدر ما تشاء لأن لا يوم آخر سيكون كهذا اليوم .

وكأن عباراتها قد أعلنت ضوئها الأخضر لمشاعره بالتفجر مرة واحدة ، ليحتضن خصرها الغض خافيا وجهه ضمن طيات عبائتها ويترك لنفسه حرية الرثاء على حاله .

كان اليوم التالي ، تجمع للعائلة بأكملها لزيارة هَيا والتي أصبحت أفضل بمرور الأيام ، أستطاعت التعرف على كل فرد قدم ليدعوا لها بالصحة المديدة و شادي لم يُفارق جانبها منذ اتخاذه مكانا بطرف سريرها ، كيف له مُفارقتها وهي تُعانق أصابع يديه بين أناملها ، تستمد منهما القوة للبقاء واعية لما حولها كما أعتقد هو الآخر .

لم تُطل زيارتهم وانتهي بهم الأمر بالمغادرة سريعا حفاظا على صحتها وخصوصية الزوجين اللذان خاضا قتالا مع مجرم فاقد لعقله ، ابتسم وهو يشاهد تعابيرها الحيويه تعود لتقاسيم وجهها أصابعها المُحتارة التي تبحث عن الدبوس العالق في مكان ما مُثبتا غطاء الرأس الخاص بها وحينما وجدته حررت خصلات شعرها المموجه التي انتشر على كتفيها ، تحدث قلقا : 
“ هل أنتِ متُعبه ؟” 

لم يتأخر ردها كالعادة أصبحت ردات فعلها أسرع : “ أنا بخير ، لا تشغل بالك كثيرا “

“ هل تؤلمك حنجرتك ؟” 

هزت رأسها “ لا إنها أفضل ، ربما بسبب الراحة “ 

طرق سؤال هام نواقيس رأسها ، لينتشر الإحمرار على وجنتيها ، وقبل أن تنطق به أضاعت نظراتها بالأرجاء بعيدا عن أسر عينيه : 
“ أمم شادي ، متى يمكنني العودة للمنزل ؟ “ 

نظرة عابثة وابتسامة جذابة ، شعرت بالحرارة ترتفع سريعا وبأن أُذنيها قد اصطبغتا بحمرة زاهية ، ليُقلل من عبثه قائلا : “ متى ما أردتي ، فالمنزل منزلك قطتي “

طرقات عدة انتزعت عصفوري الحب من حالة الانسجام ، لتُجيب هَيا بود “ تفضل بالدخول “ 
تقدمت لُجين بخطوات بطيئه خجلة ، بينما أشارت الأخرى لشادي ببضعه دقائق للخصوصية ، تركها في عهده ابنه عمها وخرج ليستعلم من الطبيب عن إمكانية التسريح المبكر .

ابتسمت عيناها وهي ترى لُجين في حالة من التعثر لتتحدث بخفة : كيف هو نبيل الآن ؟

رفعت عيناها اللتان احتضنتا الأرض لفترة كافية ، ثم أجابت بكلمات مُبعثرة : بخير .. ، لكنه يُعاني صامتا .. ، لا أعلم ما يَجب على فعله .!

أشارت لها هَيا بالجلوس قريبة منها ، ثم أصبحت نغمتها جادة : إذن فلتتزوجا سريعا ، وليكن ذلك بنهاية الشهر .

اتسعت عينا لُجين صدمة ، لتصرخ مُستنكرة للاقتراح : أجننتي !
لقد فارقت جدته الحياة منذ 3 أيام مضت ، كيف لنا القيام بزفاف وهو بحالة حداد ؟

تنهدت هَيا ثم ألقت بنظرة ملؤها اللوم والعتاب : فترة العزاء أنقضت ، واقتراحي ينص على نهاية الشهر وليس نهاية الأسبوع ، وأيضا نبيل في حالة حزن وربما ستُصيبه حالة اكتئاب حادة ، ألم تُخبريني بأنه لا يملك عائلة سوى جدته !

تدلي كتفاها وتنهدت مطولا قبل أن تُكمل اعتراضها : ولكن ماذا سنفعل ؟
من الصعب إقامة زفاف بهذا الوضع .. 

“ لدي فكرة ولكن هل أنتِ مستعدة لقبولها ؟ “ 
“ أجل ، نحن في وضع سيء مسبقا ما الفارق بهذه الحالة “ 
أمسكت هَيا بيد لُجين وامتلأت حماسا “ إذن ، هذا ما سنقوم بفعله .. “

xxxxxxxx

مر أسبوع لتعود الحياة لمجاريها الأعمال المكتبية ذاتها والصفقات المتتالية ، لقد حصلوا على المناقصة وبدأ تزاحم الأعمال ، ترك كل شيء بعناية مستشاريه ليستقبل عودة محبوبته لمنزلهم لأن تُشرق مجدداً وأن ينعم بحبها أخيرا . 

كانت والدتها تساعدها في توضيب حقيبتها الصغيرة استعداداً لمغادرة المشفي ، ثم توقفت لبرهة متسائله بصوت حذر : هل أنتِ متأكدة من قرارك ، الآ تُعاندين الطبيب بتعجلك للمغادرة ؟

صمتت قليلا وهي تنظُر لزاوية معُتمة قليلا بالغرفة ليُهيأ لها خروج جسد مُكبل بأصفاد تَرن يُحاول الوصول لها من جديد ، لتُزيح عينيها سريعا وتبتسم لوالدتها مُطمئنة إياها : أنا بخير حقا ، البقاء هنا لن يُفيدني البته صدقيني . 

تابعت حديثها لروحها الجزعه “ لأنني لو بقيت هنا حبيسة الليالي فإنني سأجن ، أُسامر الكتب وأترقب عودة شادي لأغفو لسويعات ثم أُحارب خيالا من كابوس لا يزال يَتصيدُني “ 

أجل ، لا تزال الأصوات تؤثر بها ، كل شيء مُترابط ، يُقودها نحو تلك الحادثة التي تلمئوها بضع فجوات إفتعلتها قاصدة لتنسي ، أو لِتُحاول التناسي ، مهمتها مُستحيلة ولكنها ستُحاول العودة لتعيش حياتها كما اعتادت أو كما ستعتادها .

غادرت حينها مع زوجها لتظل صامته يُغازلها النوم حينا وتتنبه في الدقيقة التالية لحديث شادي حول السفر للاستجمام بتركيا أو دبي ، توافقه في جُملة بسيطة تتركب من ثلاثة أحرف “ أجل “ 

لم تستغرق الرحلة سوى نصف ساعة ليصلا لفيلا تقع وسط حديقة خلابة أشبه بقلعة وسط غابة استوائية ، أسر لُبها المنظر وأطاح بالنوم جانبا ، فُتحت البوابة الحديدية على وسعها ترحيبا بمالكه .

ليبدأ بجولته لم يترك بُقعه بالفيلا لم يُرها إياها ، المسبح المغلق ، السينما المنزلية ، قاعة رياضية بكافة المعدات ، مكتبة ضخمة وصالات للحفلات وأكثر بكثير مما يُمكن أن تتوقعه منه ، تاركا الغرفة التي تجمعهما للختام ، خطت ببُطء تشاهد توازن اللونين الأخضر الفاتح مع البيج بينما توسط السرير المزدوج الغرفة بغطائه البيج وبعض الوسائد الخضراء في الحائط المقابل رأت خزانة عملاقة للملابس ، لم تَكن عدد النوافذ بقليل فأعلى السرير وُجدت أثنتين وبنهاية الحائط كانت هنالك واحدة متوسطة الحجم والارتفاع مُطلة على الحديقة قابعا أمامه كرسي وطاولة قهوة صغيرة ، ولم تَغفل عن قطع الإنارة المتراقصة فوقها كنجوم متفرقه داخل أقفاص خشبية مُستديرة ، شعرت بفرحتها تُغرد عاليا ، التفتت غير مصدقة 
“ ما كان عليك فعل كل هذا ! “

احتضنها بخفة وقبل جبينها “ عليكِ بالراحة الآن ، لدى عمل مُستعجل سأُنهيه وأعود فورا “
هزت رأسها وهي تحرره من عناق قد يطول ، وراقبته مبتعدا عنها يُلقي بأوامر متعددة للخدم ويجيب عن اتصال وارد .

اتجهت نحو خزانة ملابسها مختارة بنطال فضفضا قليلا وكنزه صيفيه ، وهَمت بأخذ حمام يُزيل توترها من البقاء بمفردها برفقة خيالاتها الجامحة .

حل المساء وتكثفت الغيوم معلنه عن قدوم موسم أمطار مقبلة ، قاربت xxxxب الساعة للسادسة والنصف ، كان قد انهى اعماله متأخرا ليضمن بقائه بجوارها للأسبوعين المُقبلين ، دلف للغرفة فوجدها تتوسد وسائدها وعُقدة تشكلت من تجمع حاجبيها وزخات من العرق تَنضخ كل دقيقة ، جاروها فسمع صوت أنفاسها المتثاقلة : 
“ إنها تحَلم بذات الحُلم ! “
تنهد يأسا يعلم بأنه لا يملك الثقة الكافية ليساعدها في محنتها وبكابوسها ، ما مررت به قاسي جدا إنه يعترف بأن إلياس حقق غايته ، فأمنية موته أن يكون شاغلها الوحيد ، والحل أن تُقاوم تلك الذكريات .

تركها لينتعش بالإستحمام قليلا ثم يُعاود إيقاظها ، وبينما صوت رشاش الماء يتردد في أرجاء الغرفة الصامتة كانت الأخرى تتقلب بجنبات السرير ، لا يزال ذلك الجسد المُغلف بالسواد يُحدق بها تشعر به رُغم المسافة الفاصلة بينهما ، إنه صامت هذه المرة يلومها لتركه ، لتجاهلة .
رددت المرة تلو المرة علها تستفيق : “ إنه مجرد حُلم ، أوهام لا أكثر استيقظي . “

انتزعها صوت الرعد من بين أحضان كوابيسها ، ليبدأ صدرها في الارتفاع والانخفاض سريعا وكأن الهواء في الغرفة يتضاءل ، رددت المعوذات وبقيت تُحدق في الفراغ ، إنه قابع بين الظلال السوداء بأجراس ترن ، وتستمر بالرنين .

إنها تُمطر والرياح تشتد سرعتها وأصوات تلك القطرات يُشبه الطرق العنيف لأُذنيها ، انتهي شادي من استحمامه وتوسط الغرفه مرتديا بنطالا رياضيا وصدره عاريا ومنشفة تتربع فوق رأسه ، لاحظ بخفة استغراقها بالنظر لمنطقة واحدة دون أن يرف لها جفن ولا آن تحيد عينيها عن ذات المكان ، أزاح المنشفة ووضعها جانبا لتجف وأسرع ليسمك بيديها يَهزها يُعيث فيها القليل من الاحساس والواقعية ، ولكنها لم تكن لتتحرك ولا أن تُجيب .

نجح في محاولته الثالثة بعد أن ضرب الرعد للمرة الثانية على التوالي ، تحدثت بما يشبه الهمس “ إنها تُمطر“ 
استعادت إدراكها التام وراقبت القلق البادي على شادي فطمأنته كاذبة : 
“ أنا بخير مجرد قلة نوم “ 
أحكم قبضته وهو يأمرها قائلا : أخبريني ، لعلي أستطيع مساعدتك .
تحدثت وهي تحت تأثير اللحظة بينما راقبت تلك الظلال مُقتربة منها وذات الرنه تعيد إحياء مشهد واحد ، مشهد الافتراس لذراعها المضمدة : “ أحضر لي علبة الإسعافات الأوليه “

الأضواء تُبعد أشباح الظلال الخافتة ، راقبت شادي يُزيح الضماد الفاسد عن ذراعها ويُعقمة وقبل أن يضع المرهم المُعقم أبعدت ذراعها لتحتضنها ورعشة دبت بأوصلها ، لا تعلم لما شعرت وكأن الحادثة تُعيد تكرار ذاتها ، حاولت أن تُغطي فعلتها قائلة : “ آسفه شعرت بالبرودة فجأة “
مد يده ليقوم بعلاج ذراعها ولكنها عوضا عن ذلك طالبته “ قم بغرز أسنانك بذراعي فوق العلامات “ 

تعجب من طلبها ولكنه حالما لاحظ رغبتها انحنى مُقتربا وشد ذراعها برقة طبع قبلة سريعه وباللحظة التاليه كانت أسنانه تطبق على جلدها الغض وتُغرز ببطء ، أمسكت بكتفه العاري ولاحظت حينها علامات الحرق الناجمه عن دفاعه عنها بالماضي ، تعمقت أسنانه في الغوص بينما غرزت بدون قصد أظافرها بكتفه وحدقت جيدا بوجهه علها تَمحي إلياس من ذاكرتها . 

أنهي تضميد جراحها وشكرته مترددة ، نهض بخفه ليتخلص من طعم الدماء الباقي على شفتيه لتجد بأنها أحدثت أثاراً على كتفه ، يا لها من خرقاء . 
خرج وعينيه تبحثان عنها ليجدها تُجهز لها قطعه علوية ليرتديها وبما أنه لاحظ الإحمراء فقد تمتع بمظهرها وهي تمد له اللباس وتبعثرعينيها بالأرجاء ، أكملت بعد تردد واضح :
“ امم اعتذر حقا عن طلبي وعن الجرح الذي أحدثته “ 

التفت لكتفه وابتسم ضاحكا “ لم أشعر به ، وعلى الرحب والسعه “
أمسك بيدها التي تحمل قميصه وحبسها بين ذراعيه واقترب هامسا : “ ولكن أُفضل طريقة أخرى للشكر “ 
ارسى شفتيه على شواطئ شفتيها وغرق في قُبلة طويلة انتهت قسراً لاستنشاق الهواء لرئتيهما ، ابتسمت خجلة وحاولت انتزاع نفسها ، ولكنه أحكم أسره وتحدث بهدوء تعاكس الأعاصير التي تدور بداخله : “ أخبريني بالحاصل معك ، أحتاج أن أعلم “ .

زمت شفتيها ثم تحدثت بحرية : “ إني أراه في كوابيسي وفي الظلال السوداء ، لا أستطيع التركيز جيدا وأرى الأشياء بشكل مختلف ، واسمع صوت رنين حين أره يختبي بالظلام ، أشعر بأني سأجن . “ ختمت كلماتها بصوت مختنق .

رفع ذقنها بيده وهو يُقاوم تلك النيران المُتأججة بصدره “ أنتِ بخير ، لقد عُدتي إلي ، لم يَعد يملك سيطرة عليك ، تَناسي ما حدث امضي بحياتك ؛ هذه الحياة بها العديد من التقلبات وما نزال ببداية الطريق !”

هزت رأسها “ إن ذكرياتي مترابطة فحينما اختطفني إلياس ، تذكرت ما حدث بالماضي ، علاقتنا ، انفصالنا ، وسفري للخارج ، الآن أعلم لما كنت أشعر بالنقص لأنني كنت انتظرك .

أتعلم عندما عُدت وعملت بشركة والدي كُنت أملك حياة جديدة ومشاعر مستقرة كنت استمع للعديد من القصص المُختلقة عنك ولأني لم أُجد التفرقه بين الخداع والحقيقة تقبلت تلك الأكاذيب بصدر رحب ، ولكن لقائي الأول بك أجبر ذكرياتي الساكنه على الطفو مجددا للسطح ، لذا فأنا أشعر بالأسي لجعلك تُعاني لفترة طويلة !”

تحررت من أسر ذراعيه وراقبت حركته في ارتداء قميصه ، وتوجهه لمراقبة الغيث بقيت ساكنه تُصارع قراراتها في البقاء بقربه أو مجابهة مخاوفها ، وقبل أن تتخذ خطوة نحوه تحدث بصوته المعتاد الهادئ : 

“ لا أُخفيك علما بأني أواجه ذات الشياطين التي تُحاربينها ، لقد تحطمت بسبب ذلك الوغد واضطررت للبدء منذ الصفر ، علاوة على محاولاتي للزج به خلف القضبان بعد عدة محاكمات بائت بالنجاح ، وزواجي المفاجئ بإمرأة أشبه بالعلقة الماصة للدماء !”

ابتسم بمراره وعيناه تضيقان أثر حديثها الجارح “ صحيح بأن زواجنا كان علنيا ، ولكن داخل تلك الجدران الخرساء كانت شخصية صعبة المراس ترغب بالمال ، حينها كنت بضائقه فما بين علاج والدتي وإقامة الشركة من جديد كانت تُلح بالسفر !

تصفني بالمتوحش ، المشوه ، البخيل ، وفي كل يوم أجدها تُضيف صفة جديدة لقائمتها المطولة إلى أن ضاقت ذرعا بي وقدمت طلبا للخُلع بعد أن رفضت الطلاق لأجل والدتي ، مع هذا قامت بنشر أبشع الشائعات للضغط علي ونجحت في غضون 3 أشهر بانتزاع رغبتها ونيل حريتها المزعومة ، لم تكن تجمعنا علاقة من الأساس لذا لم أشعر بالكره نحوها بل بالشفقه ، و بعد أن يأست من عودتك بقيت أُجهد نفسي بالعمل وصادفتك! 

حين توقفت عن البحث عنك تعودين ، لم أكد أصدق عيناي ذات الفتاة ولكن بغير شخصيتك كدت أن أصرخ بك لتجاهلك إياي لعقد حاجبيك وتكشيرتك المحببة لي ، لنظرات التحدى التي صعقت قلبي المُلتاع بفاجعه نسيانكِ لما جمعنا بيوم ما “ 

احتضنته ظهره الموحش بذراعيها تبعد أطياف الحزن عنه قائلة “ لقد حاولت حمايتي ، برغم كل ما حدث لطالما كنت البطل لحكايتي أليس ذلك بصحيح ؟ “

عانق أصابع يديها وتغيرت نغمة صوته ممتلئة بالبهجة “ أجل ، كنت أزورك بالخفاء ، أتمتع بمواجهتنا معا حينما تُصرين على معرفه ما أُخفيه ، لطالما كنتِ عنيدة “

ضحكة أخفتها عن عينيه وأنفاس مستقرة تُشيع الدفء بظهره ، ازدادت نبضات قلبه لا يزال يخشي أن تبتعد ، أن تُسرق منه في لحظة ليتساءل بوهن :

“أتعودين لي ؟ “
“ دائماً “ .. 
xxxxxxxx

أغلقت هاتفها المحمول بعد أن تحدثت مطولا مع والدتها ، زافره قلقها عن كل دقيقة لكنها متفاجأة بجواب نبيل على طلبها والدليل هو برج الخليفه الشامخ أمام شقتها ، إنهما هاربان !

ابتسمت ساخرة على فكرتها تعترف بأن فكرة الهروب والزواج في مكان آخر لم تكن لتخطر ببالها ، ولكن بعد أن تناقشت بالموضوع مع نبيل أتمه بالموافقة ، كما أنه ابدى إصراراً لكتمان المسأله للوقت الحالي . 

ألقت بنظرة مطولة لرداء الاستحمام المحيط بجسدها فبعد وصولها البارحة من مطار دبي غطت بنوم عميق وعند استيقاظها لم تجد نبيل بالأرجاء لذا قررت أن تستحم لتزرع الهدوء بين أفكارها ، إنها حائرة فيما تفعل قلبها يوشك على الانفجار . 

للآن لا تعلم بما يفكر به نبيل ، إن كان يكره فكرة زواجهم المختصرة هذه ، تعمقت بأفكارها ولم تُلاحظ دخوله للغرفه ، عانقها وزرع أنفه أسفل رقبتها يبعثر قُبلا شغوفا ويستنشق عبق رائحتها العطرة بثانية أخرى ، يشعر بالحيوية تنتشر داخل روحه المتألمة . 

استدارت لتحتضنه بالمثل ترغب أن توضح كل المسائل العالقة ، تكره أن تكون في موضع مبهم التفاصيل ، لطالما فضلت الوضوح والحقائق على تصديق الأقوال المخادعة 

“ أأنت سعيد يا نبيل ؟ “ 

مرر يده على عمودها الفقري وطبع قبله ناعمه فوق جبهتها “ أجل ، لم أعهد سعادة تُماثل سعادتي للآن . “ 

رفعت رأسها قليلا وابتسمت فرحه “ أنا عائلتك وكل ما تحتاجه “ 

عند تلك الجملة وجدت جسدها يُحلق بعيدا عن الأرض ، فيما كان يحملها كالأميرة بين ذراعية مبتسما بجاذبية وعيناه تُنذران بقدوم نعيم من نوع آخر “ أجل ، أنتي كل ما أحتاجه “ 
.. الخاتمة .. 


كانت أصوات مختلطة تجتاح أذنيها بينما تعد بعض الأطباق لغداء اليوم ، ابتسمت بسعادة وهي تلمح طفلها الصغير يقوم بمغامرة جديدة للوقوف على قدميه بلا مساعدة بينما الأخرى تشجعه بحماسة مفرطة ، أجل لقد مرت سنتان منذ تلك الأحداث المتضاربة !

تقدمت نحو الطاولة المنتصفة بالمطبخ وصفت الأطباق الواحد تلو الأخر ثم خاطبت لُجين قائلة :
“ الآ يمكنك ترك سيف لبعض من الوقت ومساعدتي هنا ؟! “

لم تلتفت لُجين وأكملت هتافها إلى أن بلغ الصغير هدفه وأمسك بيدها الممتدة نحوه ، لتختطفه بعناق حار ثم تُكمل مدافعه “ لا إني مستمتعه جدا برفقه هذا الصغير المشاكس ، لا أعلم كيف يمكنك احتمال تركه وحيدا هنا . “

كادت أن تفلت ضحكة مطولة من بين شفتيها حين لمحت صغيرها يغوص بين تلك الخصلات الكستنائيه ثم ما يلبث أن يبدأ بجر ما يعلق بين أصابعه ضئيلة الحجم ، اقتربت منهما ثم حملته بخفه ليقوم بالمثل لخصلات شعرها فيما عدا الجر لتُعلق قائلة :
“ لقد أصبحت هذه عادته الجديدة ، أظن بأنه أصبح مُعجبا برائحة شعري !”

ابتسمت لُجين وعيناها تفيضان محبة “ أتمني أن أرزق بفتاة ، حينها يمكننا أن نربط عائلتينا معا الآ تظنين بأن ذلك سيكون جميلا ؟”

غفى الصغير على وقع خطوات والدته وهي تحادث لُجين “ لا مانع لدى ولكن إن كان لصغيري رغبة أخرى فلن أقف عقبة بطريق سعادته ، ولا أعتقد بأنك ستفعلين المثل لجنينك القادم “ 

وضعت يديها على معدتها وكشرت قليلا قائلة “ لا ، لأنه سيكون مدلل العائلة أول طفل لنا وبداية عائلة جديدة“ 

ضحكت هَيا وهي تسير مبتعدة لغرفة صغيرها “ إذن فلتبدئي بالتصرف كأم ناضجة “ 

كتفت ساعديها معترضة “ أنا كذلك منذ الآن ، لا تنسي أنا حاضنة سيف منذ ولادته ! “

انهي الأوراق المتراكمة وارسل موافقته للعديد من الفروع بشأن الصفقات المنتظرة وأشار لبضعة مهام مؤجلة ، ضغط بخفة على جهاز السنترال ليصدر صوت موقر حازم : 
“ ما الأمر يا سيد شادي “ 

تحدث بخفة وهو يٌغلق جهازه المكتبي ويخطف حقيبته من براثن المقعد الوثير : 
“ لقد تأخرنا يا نبيل ، أسرع بإنهاء ما لديك “
رد الأخر سريعا “ انهيت أعمالي ، سأنتظرك بمدخل الاستقبال “

أغلق أبواب مكتبه خلفه وأسرع باعتلاء المصعد لم تمضي سوى دقائق ليلتقي بنبيل المنتظر بهدوء ووسامة منقطعه النظير كيف ولا وأغلب الموظفات يُشدن بأسلوبه الراقي وجديته بالعمل من سوء حظهن بأنه متزوج مسبقا بقريبته .

ضربه خفيفه على كتفه كانت الجزاء لخطائه ، تحدث مستنكراً “ لما هذه المرة أيضا ؟ “
أجاب شادي وهو يتجه نحو البوابة “ لمنادتك لي بالسيد ، أخبرتك مسبقا بأننا عائلة توقف عن الرسميات . “

ابتسامه حنين رست على شفتيه مجيبا “ حسنا ، سأحاول “ 
“ إذن لنسرع ، لقد أخبرتني زوجتي بأن الطعام جاهز منذ نصف ساعه ، ولا أعتقد بأن عروسك ستكون سعيدة بتأخرك “

أسرع بخطواته ليُقابلها ، أن يحتضنها بين ذراعيه ويقبل جبينها كعادته ، سيُنجبان طفلا بنهاية السنة ، بعد كل المآسي التي خاضها بعد كل الفقدان إنه ينعم الآن بالعائلة التي تمناها من زمن بعيد ، في هذه اللحظة هما للعالم متزوجان رسميا بعد أن أخفيا الخبر لما يقارب الثلاثة أشهر امتناعا عن سماع أخبار مشينه ، مزعجة ، وأخيرا سيُكملان عامهما الثاني بإنجاب طفل . 

كانت الطاولة ممتلئة لأقصاها من سلطات متنوعه ، وصواني مختلفه والقليل من الطعام الصيني بالإضافة للإيطالي لم تُبقي شيئا لم تعده بمناسبه عودة لُجين من ترحالها لما يقارب السنه والآن لقد اجتمعتا بعد أن استقر وضعهما خلال سنتهم الثانية من عودتهم .

اقتربت لُجين وهي تمسك بهَيا جانبا “ يكفي هذا ، نبيل لن يتناول كل الطعام ولن استطيع أنا أيضا أخبرتك بأننا سنقوم بتناول الغداء معا وليس خوض معركة معها !”

التفتت الأخرى تراقب طاولة الطعام تُحصي ما تبقي ثم تنهرها قائلة “ ولكن إنها المرة الأولى لنبيل بمنزلي ، صحيح بأنك دوما ما تأتين وتثيرين المتاعب غير .. “ 

رن الجرس مُقاطعا حديثها لتقفز الفتاتان لإرتداء غطاء الرأس ، ابتسم كليهما لرؤيه الرجلان مستمتعان بحديث مطول ليبدأ بعدها تناول الوليمة .

غادرت لُجين برفقه نبيل بالمساء مع وعد بالعودة مرة أخرى ، فيما اتفق هيا وشادي على حضور مأدبه العشاء المقامه لاحقا على شرف الوافد الجديد للعائلة تحت أوامر من والدها ابتسمت بسعادة وهي تراقب صغيرها النائم في غرفته خافتة الإضاءة وتقبله باستمتاع إنه بهجتها وسر تمكنها من دحر كل ذكرياتها السيئة ، اقترب شادي وأحاط بذراعه خصرها الغض متسائلا “ آتعودين لي ؟” 
أجابت بلا تردد تُبعد كل شُكوكه ومخاوفه “ دائما “ .


وضع يده فوق معدتها يتحسس وجود طفله داخل أحشائها ، متسائلا كيف لفتاة مثلها أن تحتمل وجود جزء آخر متمثلا منهما بداخلها بل كيف ستحتمل الأشهر الأخيرة الصعبة ؟

كانت كل تلك الأسئلة تلُح للحصول على إجابات ولكن بمجرد نظرة لعينيها تختفي جميعها وتصبح هشة مجرد وساوس ترافقها القليل من المخاوف ، هي سعيدة بامتلاكها لطفل ، لشعورها بالأمومه ، وهذا يكفيه ويكفيها لأن السعادة لا تأتي إلا بعد ألم !

همس لطفله القادم “ سأكون أبا جيدا ، وآمل أن تكون بصحة جيدة “ 
امتلأت عينيها بدموع الفرح وهي تشاركه القول “ وسأكون والدة ممتازة “ 
احتضنها بحنو وقَبل جبينها قائلا بامتنان “ شكرا للرب لأنه بعثك لطريقي ، وشكرا لكِ لقبولكِ بي“
قهقهت باسمة مجيبه على نغمات صوته “ أحبك ، وسأُحب طفلنا بالمثل كما ستفعل أنت أيضا “
همهم موافقا ثم غفى من شدة التعب ، وقلبه ينبض بالحياة لقد أخطا إن السعادة لم تغادرة مطلقا فقط لم يدرك طريقة الحصول عليها منذ البداية إنه ممتلئ حقا بالعرفان والسعادة . 

يعترف بأن والده حاول بناء علاقة معه مؤخرا لكنه لا يجد في تلك العلاقة سوى الأسي ، شعور بالشفقة نحو الفتى الوحيد !

غاصت بين ذراعيه تنعم بدفء جسده ، بدقات قلبه النابضة بحيوية ، هنا وطنها .
همس بصوت ساحر “ لم تُخبريني كيف حال جسدك ؟ “

ألقت بنظرة خاطفه لندبتها المتلاشية نوعا ما ثم عادت تتجاهلها “ إني بخير ، لم تعد تؤلم “
شد جسدها الغض بقربه بينما تحاول أن تستميل النوم “ غدا موعد المراجعه الأخير “ 

همهمت بهدوء ، ولذه النوم تتسلق جفني عينيها “ حسنا “ 
قَبل جبينها وأبعد خصلة متمرده عن عينيها لقد استطال شعرها ، وتغيرت ، أصبحت أكثر حيويه سعيده بعد كل تلك الليالي المؤرقه ، والكوابيس المستمرة ، انتهت لقد نجت من سطوتها !
وقد بات الآن من اللازم التخلص عن كل ما يمت للماضي بصلة ، منها تلك الندبات العالقة بأجسادهم ، يعترف بنجاحه بردم تلك الذكريات ، لأنهما الآن في خضم تنشئه عائلة تخصهما ، بدايتهما المثمرة ..

صوت أنفاسها أصبح ترنيمته للخلود للنوم ، هي كل غايته وسبب من أسباب تَحمله ، أغمض عينيه بعد محاولات عدة في البقاء واعياً بعد سرقته بضعه قُبلات ، تمنى أن تزوره بأحلامه قبل أن يغرق بنوم عميق لعدم إكتفائه منها .

عشقه السرميدي .!



النهاية 






















